
تيغرسي: الجزائر قادرة على صناعة الاستقرار في عمق أفريقيا
تفتح دعوة الجزائر إلى انتقال أفريقيا من إدارة الأزمات إلى الوقاية منها الباب أمام رؤية أعمق لمفهوم الأمن في القارة، تقوم على معالجة جذور الهشاشة اقتصادياً وتنموياً قبل أن تتحول إلى اضطرابات ونزاعات يصعب احتواؤها.
وأكد سفير الجزائر ومندوبها الدائم لدى الاتحاد الأفريقي، محمد خالد، ضرورة تبني تحرك قاري موحد يترجم الالتزامات والمبادئ السياسية إلى إجراءات ملموسة وفعالة، بما يسمح باستباق الأزمات بدلا من الاكتفاء بإدارة تداعياتها.
ويرى البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي أن هذه المقاربة، وإن بدت في ظاهرها سياسية وأمنية، تحمل في جوهرها رسالة اقتصادية استراتيجية، مفادها أن أفريقيا لا تستطيع بناء استقرار دائم من دون تنمية قادرة على خلق الثروة وفرص العمل وتقليص بؤر الهشاشة.
وبحسب تيغرسي، فإن القارة تحتاج إلى توسيع مفهوم الإنذار المبكر ليشمل «الإنذار الاقتصادي المبكر»، بحيث لا تقتصر مراقبة المخاطر على التحركات السياسية والأمنية، وإنما تشمل أيضاً البطالة والفقر والتضخم والأمن الغذائي والاستثمار والإنتاج والخدمات الأساسية.
الأزمة تبدأ قبل الانفجار
ويشير الخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي إلى أن الأزمات السياسية والأمنية نادرا ما تولد فجأة، بل تسبقها عادة مؤشرات اقتصادية واجتماعية قابلة للرصد، مثل ارتفاع بطالة الشباب، وتراجع الإنتاج الزراعي، وارتفاع أسعار الغذاء، وضعف الاستثمار واتساع الاقتصاد غير الرسمي وتدهور القدرة الشرائية.
ومن هذا المنطلق، فإن انتظار تحول الهشاشة الاقتصادية إلى اضطراب أمني يعني، وفق تيغرسي، التدخل في المرحلة الأكثر تكلفة، بينما تسمح مراقبة المؤشرات الاقتصادية بالتدخل الوقائي قبل بلوغ نقطة الانفجار.
فمشروع للري يمكن أن يمنع أزمة غذائية، وطريق يربط منطقة معزولة بالأسواق قد يقلص اقتصاد التهريب، ومصنع يوفر الوظائف قد يكون أكثر تأثيرا واستدامة من معالجة تداعيات البطالة والتهميش بعد تفاقمها.
وبذلك تصبح الوقاية الاقتصادية استثمارا في الاستقرار وليست مجرد إنفاق إضافي.
الجزائر.. تنمية الجوار استثمار في الأمن
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة بالنسبة للجزائر بالنظر إلى موقعها الجغرافي وامتدادها الأفريقي وصلاتها التاريخية والسياسية والاقتصادية بمنطقة الساحل.
ويرى البروفيسور الهواري تيغرسي أن استقرار دول الجوار لا يمكن فصله عن الأمن الاقتصادي والقومي للجزائر، لأن توسع النشاط الاقتصادي الرسمي وخلق فرص العمل وتحسين البنية التحتية كلها عوامل تقلص مساحة التهريب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.
فكلما أصبح الجوار أكثر إنتاجا واستقرارا، أصبحت الحدود أكثر أمناً، وهو ما يجعل التنمية الأفريقية استثماراً استراتيجياً للجزائر في أمنها ومصالحها بعيدة المدى.
من الطرق إلى الممرات الاقتصادية
ويعتقد تيغرسي أن الجزائر تمتلك أوراقا
مهمة لترجمة هذه المقاربة على أرض الواقع، خصوصاً من خلال مشاريع الربط مع العمق الأفريقي.
غير أن الرهان، بحسب الخبير الاقتصادي، لا ينبغي أن يتوقف عند إنشاء الطرق، بل يتطلب تحويلها إلى ممرات اقتصادية متكاملة تجمع النقل والطاقة والصناعة والزراعة والاتصالات والخدمات اللوجستية والأسواق.
فالطريق بلا إنتاج لا يكفي، والمصنع بلا طاقة لا يستمر، والإنتاج بلا نقل ولوجستيك وأسواق لا يتحول إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
ومن شأن هذه المقاربة أن تسمح للجزائر بتحويل موقعها الجغرافي إلى قوة اقتصادية تربط فضاء المتوسط بعمق أفريقيا.
الحدود من بؤر هشاشة إلى فضاءات إنتاج
وفي قراءة تيغرسي، فإن إحدى أهم أدوات الوقاية تتمثل في إعادة النظر في وظيفة المناطق الحدودية، عبر الانتقال من التعامل معها كفضاءات أمنية فقط إلى تحويلها إلى مناطق للإنتاج والتجارة والاستثمار.
ويمكن للأسواق الحدودية المنظمة والمناطق اللوجستية والمشاريع الزراعية والصناعية والخدمات المصرفية والتكوين المهني أن توفر بديلاً اقتصاديا حقيقيا لنشاطات التهريب والاقتصاد الموازي.
وعندما يجد المواطن في المناطق الحدودية دخله وفرصه داخل الاقتصاد الرسمي، تصبح التنمية نفسها أداة أمنية غير مباشرة وأكثر استدامة.
من التصدير إلى الإنتاج الجزائري الأفريقي المشترك
ويرى البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري
تيغرسي أن تفعيل معادلة «الاستقرار بالتنمية» يستدعي أيضاً نقلة نوعية في طبيعة الشراكات الجزائرية مع أفريقيا.
فالمرحلة المقبلة، بحسبه، يجب ألا تقتصر على زيادة الصادرات الجزائرية نحو الأسواق الأفريقية، وإنما ينبغي أن تنتقل إلى الاستثمار والإنتاج المشترك وبناء سلاسل قيمة أفريقية.
وتملك الجزائر إمكانات وخبرات في الطاقة والصناعات الغذائية والأدوية والأسمدة ومواد البناء والرقمنة والخدمات، يمكن دمجها مع الموارد والأسواق والفرص الاستثمارية التي توفرها الدول الأفريقية.
وعندها تتحول المعادلة من علاقة بين مصدر ومستورد إلى الجزائر + الشريك الأفريقي = إنتاج مشترك للسوق الأفريقية.
التجارة الحرة.. اقتصاد يصنع السلام
ويعتبر تيغرسي أن منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية تتجاوز في أهميتها زيادة المبادلات التجارية، إذ يمكن أن تتحول إلى إحدى أدوات الوقاية من النزاعات.
فكلما تشابكت الاقتصادات الأفريقية عبر المصانع وسلاسل التوريد والطاقة والنقل والأسواق، أصبحت مصالح الدول أكثر ارتباطاً بالاستقرار، وارتفعت الكلفة الاقتصادية لأي اضطراب أو نزاع.
وهكذا لا تصبح التجارة مجرد حركة للسلع، بل شبكة مصالح مشتركة تدفع باتجاه السلام والاستقرار.
القطاع الخاص في قلب الرؤية
ولا يمكن، وفق الخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي، تحقيق هذه النقلة بالاعتماد على الحكومات وحدها.
فالدولة تستطيع فتح الأسواق وتوفير البنية التحتية والضمانات والأطر القانونية والدبلوماسية الاقتصادية، لكن القطاع الخاص هو الذي يستثمر ويبني المصانع ويخلق الوظائف ويطور المنتجات ويتحمل مخاطر دخول الأسواق الجديدة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تدويل المؤسسة الجزائرية ومرافقتها للانتقال من مجرد مُصدّر إلى مستثمر وشريك ومنتج داخل القارة، عبر التمويل والتأمين وضمان مخاطر الاستثمار والمعلومات التجارية والنقل والخدمات اللوجستية.
هل تحتاج أفريقيا إلى صندوق للوقاية الاقتصادية؟
ويطرح تيغرسي في هذا السياق فكرة قابلة للنقاش تتمثل في إنشاء صندوق أفريقي للوقاية الاقتصادية، تكون مهمته التدخل في الدول والمناطق التي تكشف المؤشرات فيها عن ارتفاع مستويات الهشاشة قبل تحولها إلى أزمات.
وبدلا من انتظار اندلاع الأزمات ثم تخصيص الموارد لمعالجة نتائجها، يمكن توجيه التمويل مسبقا نحو مشاريع المياه والزراعة والطاقة والبنية التحتية والتكوين والمناطق الصناعية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وبذلك ينتقل التمويل الأفريقي من تكلفة إدارة الأزمة إلى الاستثمار في منعها.
الجزائر أمام فرصة لصناعة نموذج أفريقي
وفي الأخير يخلص البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي إلى أن الرسالة التي تحملها المقاربة الجزائرية يمكن ترجمتها اقتصاديا في معادلة واضحة:
إنذار اقتصادي مبكر ← تدخل اقتصادي ← استثمار ← إنتاج ← وظائف ← تكامل أفريقي ← استقرار سياسي وأمني.
وبهذا المنظور، تمتلك الجزائر فرصة لتطوير دبلوماسيتها الاقتصادية في أفريقيا من خلال نموذج يجعل التنمية أداة للوقاية، والاستثمار أداة للاستقرار، والتكامل الاقتصادي جسراً للسلام.
فالرهان لم يعد فقط على كيفية إدارة الأزمة عندما تقع، بل على القدرة على اكتشاف جذورها الاقتصادية قبل أن تنفجر ومعالجتها في الوقت المناسب.
وهنا تحديدا تتحول التنمية من نتيجة للاستقرار إلى قوة تصنع الاستقرار وتحميه.
مقالات ذات صلة



APO NEWS