لم تعد قضية المياه في الجزائر شأنا خدميًا تقنيًا فحسب، بل تحوّلت إلى ملف سيادي يرتبط مباشرة بالأمن القومي والاستقرار الاجتماعي.هذا ما أكده الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، مشيرًا إلى أن الدولة أعادت صياغة استراتيجيتها المائية على أسس هيكلية طويلة المدى، تقوم على تنويع الموارد، وتعزيز البنية التحتية، وترسيخ مفهوم الأمن المائي كخيار استراتيجي لا بديل عنه.

وأوضح البرفيسور تيغرسي أن الجزائر تواجه ضغطًا مائيًا حقيقيًا، إذ لا تتجاوز مواردها المتجددة 19 مليار متر مكعب سنويًا، بما يعادل نحو 450 مترًا مكعبًا للفرد، وهو مستوى يضع البلاد ضمن فئة الدول التي تعاني من توتر مائي مرتفع وفق المعايير الدولية. ورغم بلوغ نسبة الربط بشبكات مياه الشرب قرابة 98 بالمائة، إلا أن التغطية الواسعة لا تعني غياب الاختلالات، خاصة في فترات الذروة والضغط الموسمي.
وفي مواجهة الجفاف المتكرر وتزايد الطلب المرتبط بالنمو السكاني والاقتصادي، انتقلت الجزائر – بحسب الخبير – من منطق الحلول الظرفية إلى التحول الهيكلي. وأصبحت تحلية مياه البحر أحد أعمدة السياسة المائية الوطنية، ليس فقط كخيار تقني، بل كأداة لضمان استقلالية القرار المائي. وتستهدف البلاد رفع مساهمة المياه المحلاة إلى أكثر من 40 بالمائة من مياه الشرب، مع إمكانية بلوغ 60 بالمائة بحلول 2030، عبر استثمارات تفوق 5.4 مليار دولار لإنجاز وتشغيل محطات جديدة على طول الساحل، بطاقة إنتاج سنوية تقارب ملياري متر مكعب.
بالتوازي، واصلت الدولة تعزيز قدراتها التخزينية والنقلية، حيث يوجد نحو 80 سدًا في الخدمة مع برامج لرفع العدد إلى 139 سدًا بطاقة تفوق 8 مليارات متر مكعب، إضافة إلى شبكات تحويل كبرى تمتد لآلاف الكيلومترات، في إطار رؤية قائمة على التضامن المائي وتقليص الفوارق الجغرافية في التزود.
غير أن توسيع العرض، بحسب تيغرسي، لا يحقق أهدافه دون إصلاح جانب الطلب. فالجزائر بدأت اعتماد تقنيات ري حديثة، وتوسيع إعادة استخدام المياه المعالجة في الفلاحة والصناعة، والعمل على تقليص نسب الفاقد في الشبكات التي تمثل عبئًا مائيًا وماليًا مزدوجًا.

ويرى الخبير أن الجنوب الجزائري يمثل الاختبار الحقيقي لنجاعة هذه الاستراتيجية. فتموين مناطق مثل تندوف وتمنراست بالمياه في ظروف مناخية قاسية يعكس قوة الدولة وقدرتها على ضمان العدالة المجالية. ورغم امتلاك الجنوب لأحد أكبر الخزانات الجوفية في شمال أفريقيا، فإن استغلالها يتطلب إدارة دقيقة نظرًا لبطء تجددها الطبيعي وارتفاع تكاليف الحفر والنقل والطاقة.

ويخلص الخبير تيغرسي إلى أن الجزائر دخلت مرحلة انتقال من إدارة الندرة إلى بناء السيادة المائية، معتبرًا أن الاستثمار في المياه هو استثمار في الاستقرار الوطني. فالدولة القوية، على حد تعبيره، هي التي تضمن وصول المياه بالجودة نفسها من المدن الساحلية إلى عمق الصحراء، لأن ذلك هو المعيار الحقيقي لنجاح السياسات العمومية.







