في تحول استراتيجي عميق، لم يعد الغاز الجزائري مجرد مورد اقتصادي يُوجه نحو الأسواق، بل تحوّل إلى ورقة نفوذ تُعيد الجزائر من خلالها تموقعها في قلب المعادلات الدولية، بين أوروبا الباحثة عن أمنها الطاقوي وإفريقيا الصاعدة بإمكاناتها الهائلة.
هذا التحول يعكس انتقال الجزائر من دور “المُصدّر التقليدي للطاقة” إلى فاعل يسعى لفرض توازنات جديدة، مستندة إلى ثلاث ركائز أساسية: موقع جغرافي استثنائي يربط إفريقيا بأوروبا، بنية تحتية متطورة تشمل أنابيب ومحطات تسييل، واحتياطات معتبرة من الغاز التقليدي وغير التقليدي.
وفي هذا السياق، يؤكد البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي أن “المرحلة الحالية تفرض على الجزائر الانتقال من منطق البيع إلى منطق التفاوض الاستراتيجي، حيث تصبح الطاقة أداة لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية متكاملة”.
ولم تعد المعادلة تقتصر على تصدير الغاز مقابل العملة الصعبة، بل تتجه الجزائر نحو صياغة نموذج جديد قائم على “الغاز مقابل القيمة”، سواء من خلال جذب الاستثمارات الصناعية، أو نقل التكنولوجيا، أو تحقيق مواقف سياسية أكثر توازنا مع الشركاء.
وتبرز إيطاليا كنموذج يعكس طبيعة التحولات الجارية، حيث تتعامل روما مع الجزائر بمنطق براغماتي قائم على تأمين مصالحها الطاقوية، وهو ما يفرض بدوره على الجزائر إعادة ضبط علاقاتها وفق قاعدة المصالح المتبادلة، بعيداً عن أي اعتبارات ظرفية.
ويشير البروفيسور الهواري تيغرسي إلى أن “نجاح الجزائر في هذه المرحلة مرهون بقدرتها على فرض معادلة واضحة: كل اتفاق طاقوي يجب أن يقابله عائد اقتصادي وصناعي ملموس داخل البلاد”.
وفي بعد أكثر طموحا، تسعى الجزائر إلى التحول إلى محور طاقوي إفريقي، عبر مشاريع كبرى على غرار أنبوب الغاز العابر للصحراء، وتطوير مزيج طاقوي يجمع بين الغاز والهيدروجين والطاقة الشمسية، ما يمنحها موقعا محوريا في تأمين الطاقة لأوروبا.
كما يفرض هذا التحول إعادة النظر في طبيعة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، من خلال ربط الامتيازات التجارية بنقل التكنولوجيا ودعم التصنيع المحلي، بما يعزز السيادة الاقتصادية ويحد من الاختلالات السابقة.
غير أن هذا الطموح الخارجي يبقى مرتبطا بإصلاحات داخلية حاسمة، تشمل تحديث قطاع الطاقة، تسريع مشاريع الطاقات المتجددة، وبناء قاعدة صناعية قادرة على تحويل الغاز إلى منتجات ذات قيمة مضافة.
وفي هذا الإطار، يشدد البروفيسور الهواري تيغرسي على أن “الرهان الحقيقي لا يكمن في حجم الاحتياطات، بل في كيفية توظيفها ضمن رؤية سيادية تجعل من الطاقة رافعة للتنمية والنفوذ في آن واحد”.
وبين خيار البقاء كمورد تقليدي، أو التحول إلى قوة جيوسياسية مؤثرة، تبدو الجزائر اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دورها في سوق الطاقة العالمي، وفق عقيدة جديدة عنوانها:
الطاقة ليست سلعة… بل أداة سيادة.






