APO
آخر الأخبار
الرئيسية إقتصاد وطاقة الاستثمار يصنع المصانع..فمن يصنع المُصدّرين؟...
الاستثمار يصنع المصانع..فمن يصنع المُصدّرين؟
إقتصاد وطاقة

الاستثمار يصنع المصانع..فمن يصنع المُصدّرين؟

APO NEWS 23 أوت 2026 - الساعة 09:57
الاستماع إلى هذا المقال
تحويل النص إلى صوت — عربي

لم يعد تقييم الاستثمار في الجزائر مرتبطا

بعدد المشاريع المسجلة أو بحجم النوايا الاستثمارية المعلنة فقط، بل بات التحدي الحقيقي يتمثل في قدرة هذه المشاريع على الانتقال من التسجيل إلى الإنجاز، ومن الإنجاز إلى الإنتاج، ثم من السوق المحلية إلى المنافسة والتصدير.

وفي هذا السياق، يرى البروفيسور والخبير الاقتصادي *الهواري تيغرسي*أن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من منطق متابعة الملفات الاستثمارية إلى *إدارة دورة حياة المشروع الاقتصادي بالكامل*، بما يسمح بتحديد مواطن التعثر مبكراً وربط الاستثمار بالإنتاج والتصدير ضمن منظومة واحدة.

وتأتي دعوة الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار للمستثمرين إلى تحيين وضعية مشاريعهم والكشف عن نسب تقدمها لتفتح، بحسب تيغرسي، نقاشا أوسع من مجرد معرفة نسب الإنجاز، يتعلق بمدى قدرة مختلف الهيئات الاقتصادية والإدارية على العمل بصورة منسقة لتحقيق نتيجة واحدة: **مشروع منتج، خالق للثروة ومؤهلللمنافسة والتصدير*.

نسب الإنجاز.. الأرقام وحدها لا تكشف الحقيقة

ويؤكد البروفيسور الهواري تيغرسي أن معرفة نسبة تقدم المشروع تظل مهمة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على نجاح الاستثمار أو تعثره، لأن وراء كل مشروع متأخر سلسلة محتملة من العراقيل المرتبطة بالعقار أو التمويل أو التجهيزات أو الرخص أو الاستيراد أو الربط بالشبكات أو المطابقة أو اللوجستيك.

ومن هذا المنطلق، ينبغي أن يتحول كشف تقدم المشاريع من مجرد أداة إحصائية إلى وسيلة لتشخيص الاقتصاد، بحيث لا يكتفي المستثمر بالإعلان عن بلوغ مشروعه نسبة إنجاز معينة، وإنما يحدد أيضا طبيعة العائق الذي يمنعه من الانتقال إلى المرحلة التالية.

فالمستثمر، في النهاية، لا يتعامل مع مشروعه باعتباره مجموعة ملفات إدارية منفصلة، بل رحلة اقتصادية تبدأ بفكرة ودراسة وتمويل وعقار، ثم تمر بالتجهيز والتكنولوجيا والإنتاج والتسويق، وصولا إلى المنافسة والبحث عن الأسواق الخارجية.

ورغم أن كل حلقة من هذه السلسلة قد تخضع لهيئة أو قطاع مختلف، فإن المشروع يبقى بالنسبة للمستثمر *وحدة اقتصادية واحدة*.

منطق الاختصاص أم منطق إزالة العوائق؟

ويشير الخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي إلى أن تعدد المؤسسات ليس المشكلة في حد ذاته، بقدر ما يكمن التحدي في تعدد المسارات التي يضطر المستثمر إلى المرور عبرها.

فالدولة تتعامل مع الاستثمار من خلال الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، والبنوك والجمارك وهيئات التجارة الخارجية والقطاعات التقنية والموانئ والنقل والمطابقة وغيرها، بينما لا يرى المستثمر أمامه سوى مشروع واحد يريد الوصول به إلى الإنتاج.

وعندما تتوقف آلة أو تجهيزات في الميناء بسبب إجراء معين، أو تتأخر رخصة أو عملية ربط بالشبكات، فإن المستثمر لا ينظر إلى حدود الاختصاص بين الإدارات، بل ينظر إلى النتيجة: *مشروع متوقف وتكاليف تتزايد*.

ومن هنا، يدعو تيغرسي إلى تطوير فلسفة الإدارة الاقتصادية من سؤال: *"من صاحب الاختصاص؟** إلى سؤال أكثر ارتباطًا بالفعالية:*"من يستطيع إزالة العائق وتسريع المشروع؟"*

فالاختصاص القانوني يظل ضرورياً، لكن سرعة الوصول إلى النتيجة الاقتصادية أصبحت بدورها عنصراً أساسياً في تنافسية الدول.

منصة الاستثمار كـ"نظام إنذار مبكر"

ويرى البروفيسور تيغرسي أن الرقمنة يمكن أن تلعب دوراً أكبر في هذا التحول، من خلال جعل متابعة تقدم المشاريع بمثابة *نظام إنذار اقتصادي مبكر*.

فإذا أبلغ مستثمر عن توقف مشروعه بسبب تجهيزات لم تدخل، أو رخصة لم تصدر، أو شبكة لم يتم الربط بها، أو إجراء تجاري ينتظر التسوية، ينبغي أن تصل المعلومة رقمياً وبشكل مباشر إلى الجهة المعنية، مع تحديد المسؤول عن المعالجة والآجال ومآل الملف.

وبهذه الآلية، تنتقل الرقمنة من مجرد حفظ الوثائق والملفات إلكترونياً إلى *رقمنة القرار وحل المشكلات*، وهو الفارق بين إدارة إلكترونية تستقبل المعلومات وإدارة ذكية تستخدمها لتسريع النشاط الاقتصادي.

الاستثمار والتصدير.. قصة اقتصادية واحدة

ويعتبر الهواري تيغرسي أن الفصل بين الاستثمار والإنتاج والتصدير لم يعد مناسباً لطبيعة الاقتصاد الحديث، لأن المراحل الثلاث مترابطة بصورة مباشرة.

فلا يمكن الحديث عن صادرات قوية دون قاعدة إنتاجية، ولا يمكن بناء إنتاج تنافسي من دون استثمار وتكنولوجيا وتجهيزات، كما يصعب الوصول إلى الأسواق الخارجية من دون احترام معايير الجودة والتغليف والشهادات واللوجستيك ودراسة الأسواق المستهدفة.

ومن هذا المنظور، يرى الخبير الاقتصادي أن التفكير في التصدير يجب ألا يبدأ بعد خروج أول منتج من المصنع، بل *منذ تصميم المشروع الاستثماري نفسه*.

فالمستثمر الذي ينشئ مصنعا ينبغي أن يعرف مبكراً الأسواق المحتملة لمنتجاته، والمعايير الدولية المطلوبة، وتكاليف النقل والتصدير، والشهادات الضرورية وطبيعة المنافسة الخارجية.

ذلك أن المصنع قد ينجح في الإنتاج، لكنه قد يواجه صعوبة في التسويق إذا لم تُدرس السوق مسبقاً، فيما لا تقاس قوة الاقتصاد بحجم ما ينتجه فقط، وإنما أيضاً بقدرته على *بيع منتجاته والمنافسة بها خارج الحدود*.

 "جواز اقتصادي" يرافق المشروع من التسجيل إلى التصدير

وفي هذا الإطار، يطرح البروفيسور الهواري تيغرسي تصوراً يقوم على إنشاء ما يمكن تسميته *"الجواز الاقتصادي للمشروع"*، وهو ملف رقمي موحد يبدأ منذ لحظة تسجيل الاستثمار ويرافق المؤسسة عبر مختلف مراحل حياتها.

وينتقل هذا الملف من الاستثمار إلى العقار والتمويل، ثم التجهيز والاستيراد والإنتاج والمطابقة والجودة والتسويق وصولا إلى التصدير، دون مطالبة المستثمر بإعادة بناء ملفه أو شرح وضعية مشروعه من البداية أمام كل إدارة.

وبذلك تصبح المعلومات المتعلقة بالمشروع متاحة للمنظومة الاقتصادية المعنية، بما يسمح بمعرفة ما أنجزه المستثمر، وما بقي عالقا، وأسباب التأخر، والجهة التي يتعين عليها التدخل.

وهنا، بحسب تيغرسي، تتحول المعلومة من ملكية إدارية محصورة داخل مؤسسة معينة إلى *أداة مشتركة لصناعة القرار الاقتصادي*.

من "الشباك الوحيد" إلى "العقل الاقتصادي الواحد"

ويشدد الخبير الاقتصادي على أن الشباك الوحيد يمثل خطوة مهمة في تسهيل الاستثمار، لكن الرهان الأكبر يكمن في الانتقال من جمع الإدارات في فضاء واحد إلى جعلها تعمل حول المشروع بمنطق اقتصادي متكامل.

فليس المطلوب إلغاء تعدد الهيئات والاختصاصات، وإنما منع تعدد المسارات والقرارات المتناقضة التي قد يتحمل المستثمر تكلفتها.

وبمعنى آخر، ينبغي أن يشعر المستثمر بأنه يمتلك *مشروعاً واحداً أمام دولة واحدة*، فإذا ظهر عائق في الاستيراد تحركت الجهة المختصة لمعالجته، وإذا تعلق الأمر بالعقار جرى تسريع الحل، وإذا انطلق الإنتاج بدأت بالتوازي عملية تأهيل المؤسسة للتسويق والتصدير.

التمييز بين المستثمر المتأخر والمشروع المُعطَّل

ومن النقاط التي يعتبرها البروفيسور الهواري تيغرسي أساسية في الحوكمة الاقتصادية ضرورة التمييز بين المشروع الذي يتأخر بسبب تقصير المستثمر، والمشروع الذي يتعطل نتيجة عوامل إدارية أو تقنية خارجة عن إرادته.

فالمستثمر الذي حصل على التسهيلات ولم ينفذ التزاماته لا يمكن وضعه في الوضعية نفسها مع مستثمر ضخ أمواله واقتنى التجهيزات وأبرم العقود، لكنه اصطدم بعائق إداري أوقف المشروع.

الأول قد يحتاج إلى التصحيح أو المساءلة، بينما الثاني يحتاج إلى تدخل سريع من الدولة لإزالة العراقيل.

ولا يمثل هذا التفريق، وفق تيغرسي، تساهلاً مع المستثمر، وإنما تطبيقاً لمبادئ *الحوكمة الاقتصادية وربط المسؤولية بسبب التعثر الحقيقي*.

الزمن أصبح جزءاً من تكلفة الاستثمار

وفي اقتصاد عالمي تحكمه سلاسل القيمة والأسواق سريعة التحول، لم يعد التأخير الإداري مجرد إزعاج للمستثمر، بل أصبح تكلفة اقتصادية مباشرة.

فكل يوم يتأخر فيه المشروع قد يعني تكاليف تمويل إضافية، وتأخر الإنتاج، وضياع فرص تجارية، وتأجيل مناصب عمل، وربما خسارة سوق لصالح منافس خارجي.

ولهذا يرى الهواري تيغرسي أن *سرعة الإدارة أصبحت جزءاً من تنافسية الاقتصاد الوطني*، تماماً مثل تكلفة الطاقة والتمويل واللوجستيك واليد العاملة.

من عدد المشاريع إلى حجم الثروة

ويرى البروفيسور تيغرسي أن نجاح سياسة الاستثمار مستقبلاً ينبغي أن يُقاس بمؤشرات تتجاوز عدد المشاريع المسجلة، لتشمل عدد المشاريع التي دخلت مرحلة الإنجاز الفعلي، وعدد المؤسسات التي شرعت في الإنتاج، وحجم الوظائف المستحدثة والقيمة المضافة، ومدى قدرة المؤسسات الجديدة على المنافسة والتصدير.

وعندها فقط، تتحول مؤشرات الاستثمار من حصيلة إدارية إلى *ميزان حقيقي لفعالية الاقتصاد*.

فالغاية ليست تسجيل أكبر عدد ممكن من المشاريع، وإنما مرافقة المشاريع الجادة حتى تتحول إلى مصانع ومؤسسات منتجة، ثم إلى علامات جزائرية قادرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية.

اقتصاد بعقل واحد

و في الأخير، يعتبر البروفيسور والخبير الاقتصادي *الهواري تيغرسي* أن التحدي لم يعد في إنشاء المزيد من الهيئات والمنصات بقدر ما أصبح في قدرة هذه المؤسسات على العمل كمنظومة مترابطة عندما يتعلق الأمر بالمشروع الاقتصادي نفسه.

فالمشروع الذي يُطلب منه اليوم الكشف عن نسبة تقدمه، هو ذاته الذي يُنتظر منه غداً أن ينتج، وبعد غد أن يصدر، ثم يتحول مستقبلا إلى مؤسسة جزائرية تنافس في الأسواق الدولية.

ومن هنا يصبح السؤال الجوهري ليس ما إذا كانت كل إدارة تمارس اختصاصها، وإنما: *هل تعمل جميع الاختصاصات لتحقيق النتيجة الاقتصادية نفسها؟*

فالاستثمار ليس ورقة تُسجل، والتصدير ليس مجرد شحنة تغادر الميناء؛ إنهما حلقتان في قصة واحدة تبدأ بثقة المستثمر، وتمر بالإنتاج وخلق مناصب العمل والقيمة المضافة، وتنتهي بقدرة الاقتصاد الجزائري على المنافسة وصناعة الثروة.

وهنا تكمن فلسفة الإصلاح الحقيقي: *اقتصاد لا تتحرك مؤسساته في جزر منفصلة، بل منظومة تعمل بعقل واحد من الاستثمار إلى التصدير.*

مشاركة :

مقالات ذات صلة