APO
آخر الأخبار
الرئيسية إقتصاد وطاقة أسعار تشتعل وسلع تختفي..أين دور قانون المنافسة؟...
أسعار تشتعل وسلع تختفي..أين دور قانون المنافسة؟
إقتصاد وطاقة

أسعار تشتعل وسلع تختفي..أين دور قانون المنافسة؟

APO NEWS 26 جويلية 2026 - الساعة 12:12
الاستماع إلى هذا المقال
تحويل النص إلى صوت — عربي

تتصاعد التساؤلات في الشارع الجزائري بشأن الارتفاع المتواصل لأسعار بعض المنتجات الأساسية، بل وتحول بعضها إلى سلع نادرة أو بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المواطنين.

فبعد أن تجاوز سعر الموز في بعض الأسواق 1000 دينار للكيلوغرام، ولامس سعر التفاح المحلي والمستورد قرابة 2000 دينار، لم يعد النقاش مقتصرا على غلاء الأسعار، بل امتد إلى أسباب اختفاء بعض السلع من الأسواق ومدى فعالية السياسات المعتمدة لضبطها.

ويرى *البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي* أن معالجة هذه الظاهرة تستوجب قراءة اقتصادية شاملة، لأن التوازن بين تنظيم التجارة وحماية المنافسة أصبح اليوم عاملا حاسما في استقرار السوق والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن.

وخلال السنوات الأخيرة، اعتمدت الجزائر إجراءات صارمة لتنظيم التجارة الخارجية، شملت تشديد الرقابة على الاستيراد، ومحاربة تضخيم الفواتير، والتصدي للمضاربة والتهريب، في إطار سياسة تهدف إلى ترشيد الواردات، وحماية احتياطات الصرف، وتشجيع الإنتاج الوطني. وهي، بحسب المختصين، أهداف استراتيجية تفرضها التحولات الاقتصادية العالمية.

غير أن *البروفيسور الهواري تيغرسي* يؤكد أن الإشكال لا يكمن في مبدأ التنظيم، وإنما في كيفية تطبيقه، موضحا أن الإفراط في بعض الإجراءات الإدارية، إذا لم يترافق مع تفعيل فعلي لقانون المنافسة، قد يؤدي إلى تقليص عدد المتعاملين الاقتصاديين، وانخفاض حجم العرض، ومن ثم ارتفاع الأسعار، ليكون المستهلك الحلقة الأكثر تضرراً.

ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن محاربة المضاربة تبقى ضرورية، لكنها لا تغني عن حماية المنافسة داخل السوق. فالسوق السليمة لا تقوم فقط على الرقابة والعقوبات، وإنما أيضاً على ضمان تعدد الموردين والمستوردين والموزعين، بما يمنع تركّز النشاط التجاري في أيدي عدد محدود من الفاعلين الاقتصاديين.

ومن الناحية الاقتصادية، يوضح تيغرسي أن انخفاض عدد المتعاملين يؤدي تلقائيا إلى تراجع المنافسة الطبيعية، وهو ما يمنح هامشاً أكبر للتحكم في الأسعار والكميات المعروضة، حتى في غياب احتكار صريح. فالمنافسة الحقيقية، حسب رأيه، هي الضامن الأول لاستقرار الأسعار وتنوع المنتجات وتحسين الجودة.

ويضيف أن قانون المنافسة لم يُشرَّع لمعاقبة التجار فحسب، بل لحماية السوق والاقتصاد الوطني، إذ يضمن تكافؤ الفرص بين المتعاملين، ويمنح المستهلك حرية الاختيار بين عروض متعددة، وهو ما يشكل أحد أهم الأسس التي تحافظ على القدرة الشرائية.

وفي هذا السياق، يدعو *البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي* إلى مراجعة آليات ضبط السوق، بحيث لا تقتصر على تشديد الرقابة، بل تشمل أيضاً توسيع قاعدة المتعاملين الاقتصاديين المؤهلين، وتسهيل ولوج المستثمرين إلى أنشطة الاستيراد والتوزيع وفق دفاتر شروط شفافة، مع الإبقاء على رقابة صارمة تضمن الجودة واحترام القوانين.

كما يؤكد أن دعم الإنتاج الوطني يجب ألا يتحول إلى سبب في حدوث ندرة للمنتجات التي لا يغطيها الإنتاج المحلي أو التي لا تزال السوق بحاجة إليها، مشيراً إلى أن نجاح أي سياسة اقتصادية يرتبط بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين تشجيع المنتج الوطني وضمان تموين الأسواق بانتظام.

ويشدد تيغرسي أيضاً على أهمية تعزيز دور مجلس المنافسة، وتمكينه من التدخل الاستباقي لرصد الاختلالات في الأسواق، ودراسة مستويات التركّز الاقتصادي، والتحقيق في أسباب الارتفاعات غير المبررة للأسعار، مؤكداً أن التجارب الدولية أثبتت أن حماية القدرة الشرائية لا تتحقق بالرقابة الإدارية وحدها، بل بوجود مؤسسات قوية تفرض قواعد المنافسة وتضمن شفافية السوق

كما يرى أن المرحلة الراهنة تستدعي الانتقال إلى نموذج أكثر حداثة في إدارة الأسواق، يقوم على المنافسة والشفافية والرقمنة، عبر تتبع مسار السلع من الإنتاج أو الاستيراد إلى غاية وصولها إلى المستهلك، مع نشر البيانات المتعلقة بالكميات والأسعار وهوامش الربح، بما يعزز الثقة ويحد من الإشاعات والممارسات غير القانونية.

ويخلص *البروفيسور الهواري تيغرسي* إلى أن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق فقط بسبب ارتفاع أسعار الموز أو التفاح، وإنما بقدرة السوق على توفير المنتجات الأساسية بأسعار معقولة في ظل منظومة رقابية متطورة. فالتحدي، بحسبه، لا يكمن في مضاعفة القيود، بل في إيجاد معادلة متوازنة تجمع بين تنظيم التجارة، وتكريس المنافسة، ومحاربة المضاربة، وحماية المستهلك.

ويؤكد أن قوة الاقتصاد لا تُقاس بعدد القرارات التنظيمية الصادرة، بل بقدرته على بناء سوق تنافسية وشفافة، يجد فيها المواطن احتياجاته الأساسية بأسعار عادلة، ويستثمر فيها المتعاملون في بيئة قائمة على تكافؤ الفرص، بعيدا عن الندرة أو تركّز النشاط الاقتصادي، بما يضمن استقرار السوق ويعزز الثقة في الإصلاحات الاقتصادية.


مشاركة :

مقالات ذات صلة