تدخل الجزائر مرحلة جديدة في إصلاح منظومتها المالية، مع التوجه نحو إلزام البنوك بتطبيق معايير “اعرف زبونك” (KYC)، في خطوة تحمل أبعادا تتجاوز الإطار التنظيمي لتلامس جوهر السيادة الاقتصادية وإعادة ترتيب حركة الأموال داخل الاقتصاد الوطني.
ويرى البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي أن هذا التوجه يعكس تحولا استراتيجيا نحو بناء نظام مالي أكثر شفافية وقدرة على التكيف مع المتغيرات الدولية، مؤكدًا أن الجزائر لم تعد قادرة على البقاء خارج منظومة التتبع المالي العالمي.
في عالم تتسارع فيه تدفقات رؤوس الأموال، بات تطبيق معايير “اعرف زبونك” ضرورة لا خيارًا، حيث تمكّن هذه الآلية البنوك من التحقق من هوية العملاء، وتتبع مصادر أموالهم، ومراقبة سلوكهم المالي، بما يحد من المخاطر المرتبطة بالتمويل غير المشروع ويعزز استقرار النظام المالي.
رهان الاستثمار…بين الثقة والتعقيد
يشير الخبير الهواري تيغرسي إلى أن هذه الإجراءات قد تعزز جاذبية الجزائر للاستثمارات الأجنبية، عبر تقديم صورة أكثر وضوحا وموثوقية عن البيئة المالية. غير أنه يحذر في الوقت ذاته من أن الإفراط في التعقيد الإداري قد يحوّل هذه الإصلاحات إلى عامل نفور، بدل أن تكون عنصر جذب.
تأثير مباشر على التجارة الخارجية
على صعيد التجارة، يُتوقع أن تُحدث هذه التعليمة تحولا نوعيا، من خلال الحد من ممارسات تضخيم الفواتير وتهريب العملة الصعبة، وهي ظواهر أرهقت الاقتصاد الوطني لسنوات. وفي هذا السياق، يؤكد البروفيسور الهواري تيغرسي أن فرض الشفافية سيجبر المتعاملين على تبني سلوك مالي أكثر انضباطا، ما سينعكس إيجابًا على ميزان المدفوعات واحتياطات الصرف.
التحدي الحقيقي: التطبيق الذكي
غير أن نجاح هذه الخطوة، حسب البروفيسور تيغرسي، لا يتوقف على النصوص التنظيمية، بل على كيفية تنفيذها. فبين نظام رقابي فعال وآخر بيروقراطي معطل، يكمن الفارق في “الحوكمة الذكية”، التي تتطلب رقمنة شاملة، تبسيط الإجراءات، وتأهيل الموارد البشرية.
ويحذر الخبير من أن غياب هذه الشروط قد يؤدي إلى نتائج عكسية، تدفع الفاعلين الاقتصاديين نحو السوق الموازية بدل إدماجهم في الدورة الرسمية.
نحو اقتصاد قائم على البيانات
ما يجري اليوم، كما يوضح الهواري تيغرسي، هو جزء من تحول أعمق نحو اقتصاد رقمي قائم على البيانات، حيث تصبح كل معاملة قابلة للتتبع، وكل دينار خاضعًا لمعادلة الشفافية والكفاءة.
و في الاخير “اعرف زبونك” لم تعد مجرد تعليمة بنكية، بل اختبار حقيقي لقدرة الجزائر على الانتقال من اقتصاد الظل إلى اقتصاد منظم وشفاف.
المعادلة واضحة:
إما إصلاح ذكي يعزز الثقة والاستثمار...أو تعقيد إداري يعمّق الفجوة مع الاقتصاد الرسمي.
وفي هذا السياق، يختصر البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي الرهان بقوله:
النجاح لا يكون في تشديد الرقابة فقط، بل في بناء نظام مالي ذكي يُنظم بثقة ويُسهّل بكفاءة.






