APO
آخر الأخبار
الرئيسية إقتصاد وطاقة الخبير تيغرسي: الجزائر أمام اختبار القوة الغازية...
الخبير تيغرسي: الجزائر أمام اختبار القوة الغازية
إقتصاد وطاقة

الخبير تيغرسي: الجزائر أمام اختبار القوة الغازية

APO NEWS 27 أكتوبر 2026 - الساعة 15:39
الاستماع إلى هذا المقال
تحويل النص إلى صوت — عربي

تخوض الجزائر سباقا لتعزيز موقعها في سوق الغاز العالمية، وسط تحولات تعيد رسم مسارات الإمدادات وتفتح أمام الدول المنتجة فرصا يرافقها تنافس متصاعد.

وبين حاجة أوروبا إلى أمن الطاقة وتطلع إفريقيا إلى توسيع الكهرباء والصناعة، يرى الخبير الاقتصادي البروفيسور الهواري تيغرسي أن الرهان الجزائري يتجاوز زيادة الصادرات إلى تحويل الثروة الغازية إلى قوة اقتصادية مستدامة.

وفي قراءته لهذه التحولات، يضع تيغرسي المشاركة الجزائرية في منتدى الدول المصدرة للغاز ضمن مسعى للدفاع عن مكانة الغاز في المعادلة الطاقوية، وعن حق الدول في اختيار مسارات انتقالها وفق احتياجاتها وإمكاناتها. فالعدالة في الوصول إلى الطاقة وتشجيع الاستثمار وتطوير أسواق جديدة تمثل، في هذا التصور، قضايا ترتبط مباشرة بمستقبل الاقتصادات المنتجة والنامية.

لكن ترجمة هذه التوجهات إلى مكاسب فعلية تبقى مرتبطة بالقدرة على المنافسة. فقد أعادت الحرب الروسية الأوكرانية تشكيل تدفقات الغاز نحو أوروبا، بينما أتاح توسع تجارة الغاز الطبيعي المسال خيارات أوسع للمشترين، وجعل الأسواق أكثر ترابطًا وتأثرا بتغير الأسعار والطلب.

وتملك الجزائر في هذا المشهد أوراقا مهمة، تتقدمها المسافة القريبة من أوروبا، وخطوط الأنابيب التي تربطها بأسواقها، إلى جانب خبرتها في الإنتاج والتسييل والتسويق. وهي مقومات تمنحها أفضلية في تلبية احتياجات شركائها، لكنها لا تكفي وحدها لضمان حصص دائمة في سوق تتنافس عليها قوى غازية كبرى.

ويشير البروفيسور الهواري تيغرسي إلى أن الفرص المتاحة في أوروبا تجذب منتجين متعددين، من النرويج إلى الولايات المتحدة وقطر. لذلك، فإن تعزيز الحضور الجزائري يتطلب إمدادات موثوقة، وتكاليف تنافسية، وقدرة على التكيف مع احتياجات الزبائن، بدل التعويل على الموقع الجغرافي وحده.

وتزداد المعادلة تعقيدا مع سعي أوروبا إلى تأمين احتياجاتها الحالية من الغاز، بالتوازي مع توجهها إلى تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري على المدى الطويل. وهنا يبرز تحدي استراتيجي أمام الجزائر: استثمار الفرص القائمة دون ربط مستقبلها الاقتصادي بسوق واحدة أو افتراض استمرار الطلب بالشكل نفسه.

وفي هذا السياق، يمنح تيغرسي الطاقات المتجددة دورا محوريا في دعم الاقتصاد الغازي. فتوسيع إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية يمكن أن يقلل كميات الغاز المستخدمة محليا، ويتيح توجيه جزء منها إلى التصدير أو إلى صناعات تحقق عائدا أكبر، شريطة مواكبة ذلك بتحسين كفاءة الاستهلاك وتطوير الشبكات.

وتفتح هذه المقاربة الباب أمام تحول أعمق في طريقة استثمار الموارد. فالقيمة الاقتصادية للغاز لا تُقاس فقط بحجم الكميات المصدرة، بل أيضًا بما ينتجه من أسمدة وبتروكيميائيات ومنتجات صناعية، وما يرافق ذلك من استثمارات ومناصب عمل. ويرى الخبير الاقتصادي أن توسيع التصنيع المحلي يمكن أن يمنح الجزائر مصادر دخل أكثر تنوعًا ويحد من ارتهانها لتقلبات أسعار المادة الخام.

غير أن تحقيق هذا الطموح يمر عبر مواجهة تحدي الإنتاج. فتلبية احتياجات الكهرباء والصناعة وتحلية المياه، إلى جانب الاستهلاك السكاني، تفرض ضغطًا متزايدا على الموارد المتاحة. وأي توسع في الطلب الداخلي لا تواكبه زيادة في الإنتاج وتحسين للكفاءة قد يضيّق هامش النمو في الصادرات.

ومن هنا، تصبح الاستكشافات وتطوير الحقول وتحديث المنشآت أولويات اقتصادية. ويؤكد تحليل البروفيسور الهواري تيغرسي أهمية استقطاب التكنولوجيا والاستثمارات وبناء شراكات فعالة، بما يرفع مردودية الموارد ويحافظ على السيادة الوطنية عليها، ويعزز قدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها الخارجية واحتياجاتها الداخلية معا.

وبموازاة السوق الأوروبية، تبرز إفريقيا بوصفها مجالا لبناء شراكات طويلة الأمد. فاحتياجات القارة لا تقتصر على توفير الغاز، بل تشمل إنتاج الكهرباء وتطوير شبكات النقل والتوزيع وإقامة الصناعات، وهو ما يتيح للجزائر توسيع دورها من التصدير إلى المساهمة في مشاريع التكامل الطاقوي.

ويأتي مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالجزائر عبر النيجر، ضمن أبرز الرهانات المطروحة. فتجسيده قد يعزز موقع الجزائر كمنتج وبلد عبور وبوابة للإمدادات الإفريقية نحو أوروبا. غير أن تيغرسي يربط هذه الإمكانات بمعالجة تحديات التمويل والأمن والجدوى الاقتصادية والتنفيذ، بعيدًا عن احتساب عوائد مشروع قبل استكماله ودخوله الخدمة.

وتظل قدرات الغاز الطبيعي المسال عنصرا مهما في تنويع الوجهات. فمرونة الشحن البحري تتيح الوصول إلى أسواق مختلفة والتكيف مع تحولات الطلب، ما يجعل تحديث منشآت التسييل وتحسين أدائها جزءًا من بناء قدرة تصديرية أكثر مرونة.

وفي قلب هذه الاستراتيجية، تبرز سوناطراك بوصفها الفاعل الرئيسي في تحويل الإمكانات إلى نتائج. ويضع التحليل تطوير التكنولوجيا وخفض التكاليف وتحسين التسويق وإدارة العقود ضمن شروط تعزيز تنافسيتها، إلى جانب تقليل تسربات الميثان والحد من حرق الغاز ورفع الكفاءة الطاقوية.

فالبعد البيئي، وفق هذه القراءة، بات مرتبطا بالمردودية والقدرة على الحفاظ على الأسواق. وكل تقدم في تقليص الانبعاثات واسترجاع الغاز المهدور يمكن أن يدعم القيمة التجارية للإنتاج الجزائري ويعزز جاذبيته لدى المشترين.

وفي الأخير يخلص الخبير الاقتصادي البروفيسور الهواري تيغرسي إلى أن الجزائر تمتلك مقومات مهمة لبناء دور إقليمي أوسع، يجمع بين الغاز والطاقة الشمسية والصناعة والربط بين الأسواق. غير أن تحقيق هذا الدور يتوقف على سرعة تحويل الفرص إلى استثمارات ومشاريع منتجة.

فالاختبار الحقيقي لن يكون في تصدير أكبر كمية من الغاز فحسب، بل في تحقيق أكبر قيمة اقتصادية منه، بما يجعل الثروة الطاقوية أساسًا لتنويع الاقتصاد وتعزيز موقع الجزائر في خريطة تتغير قواعدها باستمرار.

مشاركة :

مقالات ذات صلة