لم تعد الفجوة الرقمية مجرد مسألة تقنية أو ترفا مرتبطا بالإنترنت والأجهزة الذكية، بل تحولت إلى أحد أخطر أشكال عدم المساواة الاقتصادية في العصر الحديث.ففي اقتصاد عالمي تحكمه المنصات الرقمية والعمل عن بُعد والتجارة الإلكترونية، يعني الإقصاء الرقمي إقصاءً مباشرًا من فرص العمل ومن أدوات تحسين المستوى المعيشي.
وتكمن خطورة الفجوة الرقمية في كونها لا تقتصر على ضعف الاتصال، بل تمتد إلى رداءة جودة الإنترنت، وارتفاع تكلفته، ونقص المهارات الرقمية، وضعف توظيف التكنولوجيا في الأنشطة الإنتاجية. وهو ما يجعل شرائح واسعة، خصوصا الشباب وسكان المناطق الريفية، خارج معادلة الاقتصاد الجديد.
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي البروفيسور الهواري تيغرسي أن سدّ الفجوة الرقمية يجب أن يُنظر إليه كخيار استراتيجي لخلق فرص العمل، وليس كمجرد مشروع تحديث تقني. ويوضح أن معظم الوظائف الجديدة عالميًا أصبحت مرتبطة بالاقتصاد الرقمي، من العمل الحر إلى الخدمات عن بُعد، وهو ما يحوّل الرقمنة إلى شرط أساسي للاندماج الاقتصادي والاجتماعي.
وتبرز أهمية الرقمنة كذلك في القطاع الزراعي، حيث تمثل وسيلة مباشرة لرفع الإنتاجية وتحسين دخل الفلاحين عبر الوصول إلى المعلومات والتقنيات الحديثة وربطهم بالأسواق، ما يجعلها أداة فعالة لمحاربة الفقر الريفي وتقليص الفوارق المجالية.
غير أن الجزائر، ورغم دخولها مرحلة التحول الاقتصادي ودعمها للاقتصاد المعرفي والمؤسسات الناشئة، لا تزال تواجه فجوات رقمية واضحة بين المدن والمناطق الداخلية، إلى جانب فجوة مهارية تحول دون الانتقال من الاستخدام الاستهلاكي للتكنولوجيا إلى توظيفها في خلق القيمة.
ويخلص البروفيسور الهواري تيغرسي إلى أن الاستثمار في الرقمنة يجب أن يُدرج ضمن السياسات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى، لما له من أثر مباشر على خفض البطالة، وتحسين مستوى العيش، وإدماج الاقتصاد غير الرسمي، وتحقيق تنمية أكثر عدالة واستدامة.
وفي زمن أصبحت فيه المعرفة الرقمية بوابة الفرص، يبدو أن رهان الجزائر الحقيقي لا يكمن فقط في توفير الإنترنت، بل في تحويله إلى محرّك فعلي للتشغيل والتنمية.







