تبرز الجزائر اليوم كحالة استثنائية في مشهد اقتصادي عالمي مضطرب، حيث تجمع بين وفرة مالية نسبية وتحديات هيكلية عميقة تضع مستقبلها الاقتصادي على المحك.ويؤكد البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي أن “استقرار المالية العامة لم يعد مجرد مؤشر تقني، بل معيار حاسم لقياس سيادة الدول وقدرتها على مواجهة الصدمات”.
وخلال السنوات الأخيرة، استفادت البلاد من تحسن أسعار النفط والغاز، ما سمح بتعزيز الإيرادات العمومية وتخفيف الضغط على الميزانية، مع الحفاظ على مستويات دين منخفضة مقارنة بعديد الدول. هذا الوضع، حسب تيغرسي، منح الدولة هامش تحرك مهم لدعم القدرة الشرائية وتمويل المشاريع، لكنه يظل مرتبطا بعامل خارجي متقلب يتمثل في أسعار الطاقة.
غير أن جوهر الإشكال، كما يوضح الخبير، يكمن في طبيعة الموارد نفسها، حيث لا تزال المالية العامة تعتمد بشكل كبير على عائدات المحروقات، ما يجعلها عرضة للتقلبات. ويشير إلى أن “النموذج الريعي، رغم فعاليته على المدى القصير، لا يضمن استدامة مالية ولا يبني اقتصادا متوازنا”.
وفي المقابل، بدأت مؤشرات التحول تلوح في الأفق، من خلال التوجه نحو تطوير قطاعات بديلة مثل المناجم والصناعات التحويلية، وتعزيز الصادرات خارج المحروقات، إلى جانب تحسين مناخ الاستثمار. ويرى تيغرسي أن هذه الخطوات تعكس وعيًا بضرورة التغيير، لكنها تتطلب تسريع التنفيذ لتحقيق نتائج ملموسة.
ويشدد الخبير على أن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من منطق “تسيير الوفرة” إلى “بناء الاستدامة”، عبر توسيع القاعدة الجبائية، ودمج الاقتصاد غير الرسمي، وتحسين كفاءة الإنفاق العمومي دون المساس بالبعد الاجتماعي. كما يبرز أهمية تسريع التنويع الاقتصادي، خاصة في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
لكن التحدي الأكبر، حسب الهواري تيغرسي، لا يتعلق فقط بوضع الاستراتيجيات، بل بقدرة المؤسسات على تنفيذها بفعالية، مؤكدًا أن “نجاح الإصلاحات مرتبط بالحوكمة الجيدة وسرعة اتخاذ القرار”.
وفي خضم التحولات الجيوسياسية، تمتلك الجزائر فرصة نادرة لتعزيز موقعها كمورد موثوق للطاقة وشريك اقتصادي إقليمي، غير أن تحويل هذه الفرصة إلى مكسب دائم يبقى رهينًا بحسن استثمار العائدات الحالية في بناء اقتصاد متنوع.
في هذا السياق، تبدو الفقرة الحاسمة في قلب النقاش: المسار المستقبلي للمالية العامة لن يُحسم في تقلبات الأسواق العالمية، بل في عمق القرارات الداخلية، حيث يبقى الرهان على تحويل الوفرة الحالية إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد مستدام، بدل أن تتحول إلى محطة عابرة تسبق دورة جديدة من الهشاشة.
وفي المحصلة، تقف الجزائر اليوم أمام اختبار تاريخي حقيقي، لا يتعلق بنقص الموارد، بل بكيفية استغلالها في الوقت المناسب، وهو ما سيحدد ما إذا كانت هذه المرحلة ستسجل كمنعطف نحو الاستقلال الاقتصادي، أم كفرصة ضائعة تحت ضغط التردد.






