تبرز العلاقات الجزائرية–الصربية اليوم كأحد النماذج الواعدة التي قد تنتقل من إرث سياسي تاريخي إلى شراكة اقتصادية استراتيجية قائمة على المصالح والتكامل، في ظل ديناميكية دولية جديدة تفرض إعادة التفكير في أنماط التعاون التقليدية.
هذه العلاقة، التي تعود جذورها إلى مرحلة حركة عدم الانحياز، لم تكن مجرد تقارب ظرفي، بل تأسست على مبادئ مشتركة قائمة على الاستقلالية ورفض الاستقطاب، وهو ما منحها رصيدًا من الثقة السياسية استمر لعقود. غير أن هذا الرصيد، حسب البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي، “لم يُستثمر بالشكل الكافي اقتصاديًا، ما جعل العلاقات تبقى في إطارها السياسي دون ترجمة فعلية إلى مشاريع إنتاجية”.
وفي سياق دولي تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتعاد فيه صياغة موازين القوة، تفرض الجغرافيا الاقتصادية نفسها بقوة. فالجزائر، بما تمتلكه من موارد طاقوية وموقع استراتيجي كبوابة نحو إفريقيا، تلتقي مع صربيا التي تمثل نقطة عبور مهمة نحو أوروبا الشرقية والبلقان، وترتبط اقتصاديًا بشكل وثيق بالاتحاد الأوروبي، ما يفتح المجال أمام معادلة تكامل حقيقية بين الطرفين.
وفي هذا السياق، يؤكد البروفيسور الهواري تيغرسي أن “العلاقة بين الجزائر وصربيا ليست علاقة تنافس، بل نموذج تكاملي يمكن أن يشكل أساسًا لشراكة اقتصادية متوازنة، خاصة في ظل الحاجة العالمية لإعادة توزيع مراكز الإنتاج”.
ورغم هذه الإمكانيات، لا يزال حجم التبادل التجاري بين البلدين دون المستوى المطلوب، ما يعكس غياب رؤية اقتصادية مشتركة واضحة. غير أن الفرص تظل قائمة، خاصة في قطاعات حيوية مثل الصناعات الغذائية، الزراعة، والصناعة التحويلية.
وتبرز الصناعات الغذائية كأحد أبرز مجالات التعاون الممكنة، حيث تمتلك صربيا خبرة متقدمة في تحويل المنتجات الزراعية، في حين تتوفر الجزائر على إمكانيات فلاحية وسوق استهلاكية واسعة، ما يجعل من هذا القطاع أرضية خصبة لإطلاق مشاريع مشتركة ذات بعد تصديري نحو إفريقيا.
ويرى البروفيسور الهواري تيغرسي أن “المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على الانتقال من منطق التبادل التجاري إلى منطق الإنتاج المشترك، من خلال إنشاء استثمارات صناعية داخل الجزائر تستفيد من نقل التكنولوجيا والخبرة الصربية”.
هذا التحول يمثل، بحسب نفس المتحدث، المفتاح الحقيقي لبناء شراكة مستدامة، قادرة على خلق قيمة مضافة وتوفير مناصب شغل، بدل الاكتفاء بعلاقات تجارية تقليدية.
كما يشكل البعد الإفريقي عنصرًا حاسمًا في هذه المعادلة، حيث يمكن للجزائر أن تلعب دور منصة لتصدير المنتجات المشتركة نحو أسواق إفريقية واعدة، في حين تتيح هذه الشراكة لصربيا فرصة تنويع شركائها الاقتصاديين وتقليل اعتمادها على السوق الأوروبية.
ورغم هذه الآفاق، لا تزال هناك تحديات قائمة، من بينها ضعف الربط اللوجستي وتعقيد الإجراءات وغياب مشاريع استثمارية كبرى، وهي عوامل يمكن تجاوزها، حسب البروفيسور الهواري تيغرسي، “من خلال إرادة سياسية واضحة، وإشراك فعال للقطاع الخاص، وبناء آليات تعاون مؤسساتية تضمن استمرارية المشاريع”.
في المحصلة، تقف العلاقات الجزائرية–الصربية اليوم أمام فرصة حقيقية للانتقال من مرحلة النوايا إلى مرحلة الإنجاز، ومن إرث سياسي إلى شراكة اقتصادية قائمة على التكامل والإنتاج.
وفي عالم يبحث عن نماذج جديدة للتعاون خارج الأطر التقليدية، تبدو الجزائر وصربيا أمام فرصة لصناعة تجربة ناجحة… شرط أن تتحول الإمكانيات إلى مشاريع، والرؤية إلى واقع.






