وسط تحولات دولية عميقة تعيد تشكيل خرائط الطاقة والتحالفات، تبرز زيارة وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى الجزائر كحدث مفصلي يتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي، ليعكس محاولة حقيقية لإعادة هندسة العلاقة بين بلدين يجمعهما التاريخ والجغرافيا وتفرقهما أحيانا الحسابات السياسية.
اللقاء الذي جمع ألباريس بنظيره الجزائري أحمد عطاف يأتي في لحظة حساسة، حيث تدرك العاصمتان أن العلاقة الثنائية بلغت نقطة اللاعودة: إما الانتقال إلى شراكة استراتيجية متوازنة، أو الاستمرار في حالة التذبذب التي طبعت السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، يؤكد البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي أن “الزيارة تحمل أبعادا اقتصادية وجيوسياسية عميقة، لأنها تأتي في وقت أصبحت فيه الجزائر عنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن الطاقوي الأوروبي”.
الطاقة أولًا: ورقة الجزائر الرابحة
تشير المؤشرات إلى أن الجزائر أصبحت أحد أهم أعمدة أمن الطاقة في أوروبا، حيث تؤمّن ما بين 25% إلى 30% من واردات الغاز الإسباني، عبر بنية تحتية استراتيجية أبرزها أنبوب “ميدغاز” الذي تصل قدرته إلى نحو 10.5 مليار متر مكعب سنويًا.
كما تتجاوز صادرات الجزائر من الغاز نحو أوروبا 50 مليار متر مكعب سنويًا، بإيرادات تتراوح بين 50 و55 مليار دولار، ما يعزز موقعها كمورد موثوق في زمن الأزمات.
ويبرز البروفيسور الهواري تيغرسي في هذا السياق أن “الجزائر لم تعد مجرد مزود للطاقة، بل تحولت إلى فاعل استراتيجي قادر على التأثير في توازنات السوق الأوروبية”.
التجارة والاستثمار: عودة تدريجية بعد الأزمة
قبل التوترات السياسية الأخيرة، بلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين نحو 8 إلى 9 مليارات دولار، ما وضع إسبانيا ضمن أهم الشركاء الاقتصاديين للجزائر.
غير أن هذه الأرقام تراجعت بشكل ملحوظ، ما يجعل المرحلة الحالية بمثابة فرصة لإعادة البناء، مع طموح مشترك لرفع حجم التبادل إلى أكثر من 10 أو حتى 12 مليار دولار خلال السنوات القادمة.
ورغم ذلك، لا تزال الاستثمارات الإسبانية في الجزائر دون المستوى المأمول، إذ تتركز أساسًا في قطاعات البناء والصناعات الغذائية والخدمات.
ويشير البروفيسور الهواري تيغرسي إلى أن “التحدي الحقيقي لا يكمن في استعادة الأرقام السابقة، بل في نوعية الاستثمارات، خاصة تلك التي تضمن نقل التكنولوجيا وتدعم الصناعة المحلية”.
رهانات متبادلة: بين السيادة الجزائرية والمصالح الإسبانية
تسعى الجزائر من خلال هذه المرحلة إلى تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية، أبرزها تنويع اقتصادها وتقليص الاعتماد على المحروقات، إلى جانب جذب استثمارات نوعية ودعم التحول الطاقوي نحو الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.
كما تعمل الجزائر على تعزيز موقعها الجيوسياسي في منطقة الساحل والبحر المتوسط، بما يمنحها هامشًا أوسع في التفاوض مع الشركاء الأوروبيين.
في المقابل، تراهن إسبانيا على تأمين إمدادات الطاقة بعقود طويلة الأمد، واستعادة موقعها داخل السوق الجزائرية، إلى جانب تعزيز دورها كحلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا، خاصة في ملفات الهجرة والأمن.
وفي هذا الإطار، يرى البروفيسور الهواري تيغرسي أن “العلاقة بين البلدين لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت جزءًا من توازنات إقليمية معقدة تتداخل فيها المصالح الأوروبية مع السيادة الوطنية الجزائرية”.
تحولات دولية تضغط نحو التقارب
تأتي هذه الديناميكية في ظل ثلاثة متغيرات رئيسية:
أزمة الطاقة العالمية التي دفعت أوروبا للبحث عن شركاء مستقرين
صعود الدور الإقليمي للجزائر كلاعب مؤثر في الساحل والمتوسط
محاولة إسبانيا إعادة التوازن في سياستها الخارجية بعد توترات سابقة
هذه العوامل مجتمعة تفرض على الطرفين تجاوز الخلافات الظرفية والتوجه نحو مقاربة أكثر براغماتية.
سيناريوهات مفتوحة: من الشراكة إلى الانتكاسة
تتراوح مآلات العلاقة بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
شراكة استراتيجية شاملة تقوم على اتفاقيات طاقوية واستثمارات كبرى وتعاون في الهيدروجين الأخضر
تعاون محدود يقتصر على قطاع الغاز دون عمق اقتصادي حقيقي
عودة التوتر بما يحمله من خسائر متبادلة في ظرف دولي حساس
الجزائر أمام فرصة تاريخية
لتحويل هذا التقارب إلى مكسب استراتيجي، تبدو الجزائر مطالبة بفرض شروط واضحة تضمن نقل التكنولوجيا وتعزيز التصنيع المحلي، وربط الشراكات الطاقوية بمشاريع تنموية داخلية، إلى جانب تسريع الإصلاحات الاقتصادية لجذب الاستثمارات.
خلاصة: اختبار ما بعد الأزمة
لم تعد العلاقة الجزائرية–الإسبانية مجرد علاقة مورد ومستهلك، بل تحولت إلى معادلة معقدة تتقاطع فيها الطاقة مع السيادة، والمصالح الاقتصادية مع التوازنات الجيوسياسية.
الجزائر تملك ورقة القوة في الطاقة والموقع،
وإسبانيا تملك بوابة العبور نحو أوروبا والاستثمار.
لكن، كما يختتم البروفيسور الهواري تيغرسي، “التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه المصالح إلى شراكة دائمة، لا تخضع لتقلبات السياسة، بل تؤسس لتحالف مستقر في غرب المتوسط”.
وبين الرغبة في التقارب ومخاطر الانتكاس، تبقى هذه الزيارة بداية اختبار حقيقي:
هل تنجح الجزائر وإسبانيا في بناء شراكة القرن، أم تعودان إلى دائرة الأزمات؟







