
الخبير تيغرسي: الجزائر تريد من أوروبا المصانع والتكنولوجيا لا البضائع
بعد أكثر من عقدين على دخول اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ سنة 2005، يعود هذا الملف إلى صدارة النقاش الاقتصادي، وسط دعوات إلى مراجعة قواعده بما ينسجم مع التحولات التي شهدها الاقتصاد الجزائري وتغير موازين التجارة والاستثمار عالميا.
ويرى البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي أن اختبار سنة 2026 لا يتعلق بإلغاء الشراكة أو الانغلاق على أوروبا، وإنما بإعادة تعريفها على أسس أكثر توازنا، تجعل من الإنتاج والاستثمار والتصدير ونقل التكنولوجيا محاور أساسية للعلاقة بين الطرفين.
وكانت صحيفة «Le Jeune Indépendant» قد أثارت، في أوت 2020، الجدل حول مستقبل منطقة التجارة الحرة، في ظل الانتقادات المرتبطة بحصيلة التفكيك الجمركي، وضعف الاستثمارات المنتجة، ومحدودية نقل التكنولوجيا، إلى جانب استمرار القيود المتعلقة بتنقل الأشخاص.
واليوم، لم يعد السؤال مقتصرا على مدى توازن الاتفاق، بل أصبح مرتبطا بقدرته على مواكبة اقتصاد جزائري يسعى إلى تنويع موارده وتقليص اعتماده على المحروقات. وقد أكد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في جويلية 2026، أهمية مراجعة الاتفاق، بالتزامن مع دخول الاقتصاد الوطني مرحلة جديدة من تنويع الإنتاج.
مبادلات قوية واختلالات قائمة
يحتفظ الاتحاد الأوروبي بموقعه كأكبر شريك تجاري للجزائر، بعدما بلغت المبادلات في السلع بين الجانبين نحو 43.4 مليار يورو خلال سنة 2025. وتعكس هذه الأرقام الأهمية الاستراتيجية للسوق الأوروبية بالنسبة إلى الجزائر، مقابل مكانة الجزائر المتنامية كمورد رئيسي للطاقة نحو أوروبا.
غير أن الخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي يؤكد أن الأرقام الإجمالية وحدها لا تكفي لقياس توازن العلاقة، لأن القيمة الحقيقية لأي شراكة تُقاس بنوعية المبادلات ومدى مساهمتها في بناء الاقتصاد الوطني.
فصادرات الجزائر إلى أوروبا ما تزال ترتكز بدرجة كبيرة على المحروقات والمنتجات المعدنية، بينما تشمل الواردات الأوروبية الآلات والتجهيزات والمنتجات الكيميائية والسلع الزراعية والغذائية. ومن ثم، لا يكمن التحدي في تحقيق فائض تجاري فقط، وإنما في خلق قيمة مضافة ومناصب عمل وتطوير صناعة قادرة على المنافسة والتصدير.
ويعتبر البروفيسور تيغرسي أن استمرار الجزائر في تصدير المواد الأولية والطاقة، مقابل استيراد الآلات والمنتجات المصنعة، يعني أن نمو المبادلات لا يقود تلقائياً إلى شراكة صناعية حقيقية. فالتجارة، بحسبه، يجب أن تتحول إلى أداة لبناء قاعدة إنتاجية وطنية، لا أن تبقى مجرد حركة متبادلة للسلع.
المسؤولية لا تقع على طرف واحد
ولا يحمل تيغرسي الاتحاد الأوروبي وحده مسؤولية الاختلالات المسجلة، إذ يرى أن الجزائر مطالبة بدورها بتعزيز قدراتها الإنتاجية والتصديرية، وتحسين مناخ الأعمال، وضمان استقرار التشريعات الاقتصادية، وتسهيل نشاط المؤسسات وربط الامتيازات الاستثمارية بأهداف واضحة وقابلة للقياس.
فدخول السوق الأوروبية، وفق الخبير، يحتاج إلى منتجات جزائرية مطابقة للمعايير الدولية وقادرة على المنافسة من حيث الجودة والسعر والاستمرارية. ولذلك، لا يمكن للمفاوضات التجارية وحدها أن تعوض ضعف الإنتاج أو محدودية التنافسية داخل الاقتصاد الوطني.
وتتوفر الجزائر حاليا على فرص لم تكن متاحة بالحجم نفسه عند بداية تطبيق الاتفاق، بعد تطور قدراتها في قطاعات الأسمدة والحديد والصلب والصناعات الكيميائية والغذائية والزراعية.
كما يمنحها موقعها الجغرافي وقربها من أوروبا وانتماؤها إلى القارة الإفريقية، إلى جانب مواردها الطاقوية وإمكاناتها في مجال الطاقات المتجددة، فرصة للتحول إلى منصة إنتاج وتصدير تربط الأسواق الأوروبية بالإفريقية.
من التفكيك الجمركي إلى التكامل الصناعي
ويشدد البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي على ضرورة انتقال المفاوضات من منطق «التفكيك الجمركي» إلى مفهوم أوسع يقوم على «التكامل الصناعي».
فالجزائر، بحسبه، تحتاج إلى استثمارات أوروبية تنتج محليا، وتنقل التكنولوجيا، وتكوّن الكفاءات الوطنية، وتدمج المؤسسات الجزائرية في سلاسل القيمة، مع تخصيص جزء من الإنتاج للتصدير نحو أوروبا وإفريقيا.
وفي المقابل، يحتاج المستثمر الأوروبي إلى بيئة اقتصادية واضحة ومستقرة، تضمن له ممارسة نشاطه وفق قواعد شفافة وقابلة للتوقع.
ويمكن بناء المعادلة الجديدة على قاعدة: الامتيازات التجارية مقابل الاستثمار والإنتاج والتصدير. فالمؤسسات التي ترفع نسبة الإدماج المحلي، وتنقل التكنولوجيا، وتكوّن اليد العاملة وتخلق صادرات جديدة، ينبغي أن تستفيد من حوافز أكبر من تلك التي تكتفي بتسويق منتجاتها داخل السوق الوطنية.
بهذه المقاربة، يتحول الاستثمار الأجنبي إلى أداة لبناء الصناعة الجزائرية، بدلاً من أن يكون مجرد وسيلة لتغطية الطلب الداخلي.
الاستيراد في خدمة الإنتاج
وترتبط مراجعة اتفاق الشراكة أيضا بضرورة ضبط سياسة الاستيراد داخل الجزائر. فترشيد الواردات وحماية المنتوج الوطني يمكن أن يشكلا جزءاً من سياسة صناعية متكاملة، شريطة أن تتسم الإجراءات بالوضوح والاستقرار.
فالمستثمر الذي يحتاج إلى مواد أولية أو تجهيزات مستوردة يجب أن يكون قادرا على معرفة القواعد والآجال والمعايير مسبقاً، لأن غياب الرؤية يحول الاستيراد إلى تكلفة إضافية ويعرقل الإنتاج والاستثمار.
وفي هذا السياق، يرى تيغرسي أن البرنامج التقديري للاستيراد «PPI» يجب أن يتحول إلى أداة للتخطيط الاقتصادي، وليس مجرد آلية لتقليص الواردات. فالاقتصاد المنتج يحتاج إلى استيراد الآلات والتكنولوجيا والمواد الأولية غير المتوفرة محلياً، بالتوازي مع الحد من استيراد المنتجات النهائية التي يمكن تصنيعها داخل البلاد.
وعليه، فإن المعادلة الصحيحة ليست منع الاستيراد، وإنما توجيهه لخدمة الإنتاج والاستثمار والتصدير.
خلافات تحتاج إلى تفاوض واقعي
في المقابل، يطرح الاتحاد الأوروبي اعتراضات على بعض الإجراءات التجارية والاستثمارية الجزائرية. وقد شرع، في جوان 2024، في إجراءات لتسوية نزاع بشأن قيود قال إنها فُرضت منذ سنة 2021، قبل أن يطلب في جويلية 2025 تشكيل هيئة تحكيم للنظر في ملفات تشمل تراخيص الاستيراد وبعض القيود المرتبطة بالاستثمار والملكية الأجنبية.
ويؤكد هذا التطور حاجة الطرفين إلى حوار هادئ وواقعي. فالجزائر تتمسك بحقها في حماية مصالحها الصناعية والاقتصادية، فيما يدافع الاتحاد الأوروبي عن مصالح مستثمريه وصادراته. غير أن المصلحة المشتركة تقتضي تحويل الخلاف إلى فرصة لإعادة ضبط القواعد، بعيداً عن التصعيد أو القطيعة.
الطاقة وإفريقيا ورقتان استراتيجيتان
يفتح ملف الطاقة بدوره آفاقا واسعة أمام شراكة جديدة. فالجزائر لم تعد مجرد مصدر تقليدي للغاز، بل يمكنها أن تصبح شريكاً أساسيا لأوروبا في الطاقات المتجددة والهيدروجين والصناعات المرتبطة بالطاقة.
ويرى البروفيسور الهواري تيغرسي أن ربط الموارد الطاقوية بالاستثمار والصناعة والتكنولوجيا سيسمح للجزائر بالانتقال تدريجياً من تصدير الطاقة الخام إلى تصدير الطاقة والمنتجات المصنعة ذات القيمة المضافة.
كما يمثل العمق الإفريقي إحدى أبرز أوراق الجزائر التفاوضية. فالمؤسسة الأوروبية التي تستثمر في الجزائر لا تستهدف سوقاً محلية فقط، وإنما تستفيد من قاعدة قريبة من أوروبا ومفتوحة على أسواق القارة الإفريقية.
وبذلك، تحصل أوروبا على منصة إنتاج قريبة ومؤهلة للتوسع نحو إفريقيا، بينما تستفيد الجزائر من التكنولوجيا ورؤوس الأموال والخبرة وشبكات التوزيع الدولية.
شراكة بشروط جديدة
إن مراجعة اتفاق الشراكة لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة للماضي أو إلى تبادل للاتهامات، بل يجب أن تجيب عن سؤال واضح: ماذا تريد الجزائر وأوروبا أن تنتجا وتستثمرا وتصدرا معاً خلال السنوات العشر المقبلة؟
وفي الأخير يرى الخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي إلى أن الجزائر لا تحتاج إلى الانغلاق على أوروبا، كما لا يمكنها مواصلة فتح سوقها دون مقابل اقتصادي حقيقي. ما تحتاجه هو معادلة أكثر توازناً: السوق مقابل الإنتاج، والامتيازات مقابل التصدير، والاستثمار مقابل نقل التكنولوجيا، والانفتاح مقابل القيمة المضافة.
وهنا يكمن اختبار 2026 الحقيقي: الانتقال باتفاق الشراكة من منطقة لتبادل السلع إلى فضاء للإنتاج والاستثمار والتصدير، بما يعزز موقع الجزائر داخل سلاسل القيمة الأوروبية والإفريقية.
مقالات ذات صلة


APO NEWS 