تتجه الجزائر وموريتانيا إلى مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي، تتجاوز الإطار التقليدي للعلاقات الثنائية نحو بناء شراكة استراتيجية تستهدف أسواق غرب إفريقيا، في ظل ديناميكية متصاعدة تعكسها الزيارة المرتقبة للوزير الأول الموريتاني، بالتزامن مع تنظيم الطبعة الثامنة لمعرض المنتجات الجزائرية في نواكشوط.
هذه التطورات لم تعد تُقرأ في بعدها البروتوكولي فقط، بل تعكس تحولا نوعيا نحو تكامل اقتصادي فعلي، قائم على تفعيل المشاريع المشتركة وربط المصالح التجارية بين البلدين. وفي هذا السياق، يؤكد البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي أن “ما يحدث اليوم هو انتقال من مرحلة النوايا إلى مرحلة بناء محور اقتصادي إقليمي، يمكن أن يعيد تموقع الجزائر داخل القارة الإفريقية”.
ويبرز النقل البري كأحد أهم مفاتيح هذا التحول، حيث تمثل الاتفاقية المنظمة لنقل الأشخاص والبضائع ركيزة أساسية لفتح ممر تجاري استراتيجي يربط الجزائر بعمقها الإفريقي، خاصة عبر محور تندوف – نواكشوط، الذي يُتوقع أن يتحول إلى شريان حيوي للتبادل التجاري نحو غرب إفريقيا.
وفي هذا الإطار، يرى البروفيسور الهواري تيغرسي أن “الرهان الحقيقي يكمن في تحويل هذا الممر إلى منصة لوجستية دائمة، تسمح بتقليص التكاليف وتعزيز تنافسية المنتج الجزائري في الأسواق الإفريقية”.
من جهة أخرى، يمثل معرض نواكشوط محطة مفصلية للمتعاملين الجزائريين، ليس فقط لعرض المنتجات، بل لبناء شراكات حقيقية واختبار القدرة على التموقع في سوق واعدة، تشكل بوابة طبيعية نحو فضاء “إيكواس” الذي يضم أكثر من 400 مليون مستهلك.
وتعزز هذه المعطيات أهمية موريتانيا كحلقة وصل استراتيجية، حيث تتيح للجزائر فرصة ولوج أسواق غرب إفريقيا، في ظل طلب متزايد على منتجات متنوعة، خاصة في قطاعات الصناعات الغذائية، مواد البناء، الصناعات الصيدلانية، والتجهيزات.
ويشدد البروفيسور الهواري تيغرسي على أن “نجاح هذا التوجه يمر حتمًا عبر تفكيك الحواجز الإدارية والجمركية، وتسهيل حركة العبور، بما يسمح بخلق ديناميكية تجارية حقيقية ومستدامة”.
وبين الإرادة السياسية، وتفعيل الاتفاقيات، وانخراط القطاع الخاص، تتشكل ملامح محور اقتصادي جديد في القارة، قد يضع الجزائر في موقع مورد إقليمي رئيسي لأسواق غرب إفريقيا.
في المحصلة، لم تعد نواكشوط مجرد محطة تجارية عابرة، بل أصبحت نقطة انطلاق نحو فضاء اقتصادي أوسع، حيث تتقاطع الفرص مع الطموحات.
ومع تسارع هذه الديناميكية، تبدو المعادلة واضحة:
التموقع في موريتانيا اليوم… هو خطوة أولى نحو اختراق أسواق “إيكواس” غدًا.







