تبرز اليوم الفجوة الرقمية في أنظمة الدفع كأحد أبرز مؤشرات قوة الاقتصادات الحديثة، حيث تحوّل الدفع الإلكتروني في أوروبا من مجرد وسيلة مالية إلى ركيزة أساسية في الحياة اليومية، تختصر الزمن وتعزز الشفافية وتدعم الثقة في المنظومة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، يؤكد البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي أن ما تحقق في أوروبا لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم سياسات مالية ذكية، واستثمارات متواصلة في البنية التحتية الرقمية، إلى جانب بناء علاقة ثقة طويلة الأمد بين المواطن والمؤسسات البنكية.
في المقابل، لا تزال الجزائر، حسب قراءة البروفيسور تيغرسي، تعيش على وقع اقتصاد نقدي تقليدي، حيث يهيمن “الكاش” على أغلب المعاملات، رغم توفر وسائل الدفع الإلكتروني. غير أن هذه الأدوات لم تتحول بعد إلى بديل فعلي، بل بقيت محدودة التأثير، نتيجة غياب بيئة متكاملة تجعل استخدامها سهلا وجذابا.
المفارقة التي تكشف الخلل
اللافت، كما يشير الخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي، أن المواطن الجزائري نفسه يتأقلم بسرعة مع أنظمة الدفع الرقمية عند تواجده في أوروبا، ما يثبت أن الإشكال لا يتعلق بثقافة الفرد، بل بطبيعة المنظومة الاقتصادية المحيطة به.
ثلاثية الحسم: الثقة… السهولة… الجدوى
يرى البروفيسور تيغرسي أن الفارق الجوهري بين التجربتين الأوروبية والجزائرية يكمن في ثلاثية أساسية:
*- الثقة في النظام البنكي
*- سهولة الاستخدام
*- الجدوى الاقتصادية
في أوروبا، يشعر المستخدم بالأمان والسرعة والفائدة، بينما في الجزائر، يبقى “الكاش” الخيار الأبسط والأقل تعقيدا.
عوائق بنيوية تؤخر التحول
ويُرجع البروفيسور الهواري تيغرسي هذا التأخر إلى عوامل متشابكة، أبرزها ضعف الثقة في البنوك، واتساع الاقتصاد الموازي الذي يعتمد على النقد، إضافة إلى محدودية البنية التحتية الرقمية، وغياب الحوافز الفعلية التي تشجع على اعتماد الدفع الإلكتروني.
أي سيناريو ينتظر الجزائر؟
وفق تحليل الخبير، قد يستمر الوضع الحالي مع هيمنة “الكاش”، أو تتجه الجزائر نحو انتقال جزئي يقتصر على المدن الكبرى، غير أن السيناريو الأمثل يبقى في تبني إصلاحات شاملة تجعل الدفع الرقمي الخيار الأكثر سهولة وجاذبية.
نحو اقتصاد رقمي حقيقي
ويشدد البروفيسور تيغرسي على أن تحقيق هذا التحول يتطلب إعادة بناء الثقة عبر ضمانات قانونية واضحة، وتبسيط الخدمات البنكية، إلى جانب تعميم وسائل دفع حديثة منخفضة التكلفة، مثل QR، خاصة لفائدة التجار الصغار، مع توفير حوافز ضريبية تدفع نحو الإدماج في الاقتصاد الرسمي.
في النهاية، لا يتعلق التحدي في الجزائر بتغيير وسيلة الدفع فقط، بل بإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والاقتصاد. وكما يؤكد البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي، فإن الانتقال الحقيقي نحو السيادة الرقمية لن يتحقق إلا عندما يصبح الدفع الإلكتروني أكثر أمانا وسهولة وفائدة من “الكاش”، في إطار مشروع وطني متكامل يقود التحول الاقتصادي نحو المستقبل.






