في تحول استراتيجي لافت، تتجه الجزائر بخطى متسارعة نحو إعادة تموضعها الاقتصادي داخل القارة الإفريقية، من خلال رؤية تقوم على كسر الاعتماد على المحروقات وفتح أسواق جديدة واعدة، تمتد جغرافيًا من تندوف إلى داكار، في مشروع طموح لإعادة رسم خريطة التجارة الإقليمية.
ولم تعد إفريقيا بالنسبة للجزائر مجرد عمق جغرافي أو امتداد دبلوماسي، بل تحوّلت إلى فضاء اقتصادي حيوي تتنافس فيه القوى الإقليمية والدولية، في وقت تشهد فيه القارة معدلات نمو متسارعة وسوقا استهلاكية تتجاوز 1.4 مليار نسمة.
وفي هذا السياق، يؤكد البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي أن “التحول نحو إفريقيا لم يعد خيارًا تكميليًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات في الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل تراجع الاعتماد على الأسواق التقليدية”.
تندوف… بوابة استراتيجية نحو غرب إفريقيا
تسعى الجزائر إلى تحويل مدينة تندوف إلى محور لوجستي رئيسي يربطها بأسواق غرب إفريقيا، عبر مشاريع بنية تحتية كبرى، أبرزها الطريق البري نحو موريتانيا، وإنشاء مناطق تجارة حرة، وتطوير منظومة النقل والشحن.
هذا الممر يفتح آفاقا مباشرة نحو أسواق ديناميكية مثل السنغال ومالي وساحل العاج وغينيا، وهي دول تعرف طلبًا متزايدًا على المنتجات الصناعية والغذائية ومواد البناء.
ويرى البروفيسور الهواري تيغرسي أن “نجاح هذا المحور اللوجستي سيحوّل الجزائر إلى نقطة عبور رئيسية بين شمال وغرب إفريقيا، ما يمنحها أفضلية تنافسية حقيقية في التجارة القارية”.
قطاعات جزائرية تراهن على التوسع الإفريقي
تعوّل الجزائر على عدة قطاعات لاختراق الأسواق الإفريقية، أبرزها الصناعات الغذائية التي تستفيد من القرب الجغرافي والتكلفة التنافسية، إلى جانب مواد البناء التي تشهد طلبًا كبيرًا في ظل الطفرة العمرانية بالقارة.
كما تبرز الصناعة الصيدلانية كأحد الرهانات الواعدة، خاصة مع تطور إنتاج الأدوية الجنيسة، إضافة إلى الصناعات التحويلية والبلاستيكية التي تمتلك فيها الجزائر قدرات إنتاجية معتبرة.
اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية… فرصة تاريخية
انضمام الجزائر إلى منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية يمثل نقطة تحول مفصلية، حيث تتيح هذه الاتفاقية سوقا موحدة تضم أكثر من 50 دولة، مع توقعات بارتفاع حجم التجارة البينية بنسبة كبيرة خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا الإطار، يشدد البروفيسور الهواري تيغرسي على أن “الاستفادة من هذه الاتفاقية تتطلب تسريع الإصلاحات اللوجستية وتطوير الموانئ والممرات البرية، لضمان تدفق السلع الجزائرية نحو العمق الإفريقي”.
نحو قوة تصديرية إقليمية
تشير التقديرات إلى أن الصادرات الجزائرية نحو إفريقيا قد تتضاعف خلال السنوات المقبلة، لتصل إلى مستويات غير مسبوقة في حال نجاح المشاريع الكبرى، خاصة تلك المرتبطة بالممرات العابرة للصحراء.
ومع توفر قاعدة صناعية متنامية وموقع جغرافي استراتيجي، تبدو الجزائر مؤهلة للتحول إلى منصة إقليمية لتزويد أسواق غرب إفريقيا، في سياق تنافس اقتصادي متزايد على القارة.
إفريقيا… معركة الفرص القادمة
في ظل التحولات العالمية، لم تعد المنافسة الاقتصادية محصورة في أوروبا وآسيا، بل انتقلت بقوة إلى إفريقيا التي تُعد أحد أبرز رهانات المستقبل.
وبين تندوف وداكار، يتشكل اليوم ممر اقتصادي جديد قد يعيد رسم موازين النفوذ في القارة، ويمنح الجزائر فرصة تاريخية لبناء حضور اقتصادي قوي ومستدام خارج قطاع المحروقات.
وفي حال نجاح هذه الرؤية، لن تكون إفريقيا مجرد سوق للمنتجات الجزائرية، بل امتدادًا طبيعيًا لنفوذ اقتصادي جزائري صاعد في قلب القارة.






