كلمة وزير الخارجية خلال إشرافه على اختتام ندوة المراكز القنصلية

كلمة وزير الخارجية خلال إشرافه على اختتام ندوة المراكز القنصلية
جاري تحويل الكتابة إلى نص ..

يسعدني أن أنضم إليكم في ختام أشغال هذه الندوة التي التأمت بمشاركة جميع رؤساء المراكز القنصلية الجزائرية بالخارج، والتي ميّزتها نقاشات مستفيضة ومخرجات عملية تستهدف في مجملها تطوير العمل القنصلي والسعي للتكفل الأمثل باهتمامات وشواغل وتطلعات جاليتنا الوطنية المقيمة بالخارج.

  

وأودّ في هذا الإطار أن أنوّه بثراء برنامج هذه الندوة، وهو البرنامج الذي شَمِلَ كافة الجوانب التي تُعنى بالعمل القنصلي ودورِه في خدمة الجالية الوطنية بالخارج. كما لا يفوتني أن أشكر كل القطاعات الوزارية والهيئات الوطنية التي شاركت بكل فعالية في أشغال هذه الندوة وأسهمت أيما إسهام في إنجاحِ أشغالها وإثراءِ نتائجها.  

إنّ تنظيم هذه الطبعة الجديدة من ندوة رؤساء المراكز القنصلية يندرج ضمن التزامنا بالتوجه الاستراتيجي الذي أضفاه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، على البُعد المحوري المتعلق بالجالية الوطنية ضمن السياسة الخارجية لبلادنا.   

وهو ذات التوجه الاستراتيجي الذي بَلْوَرَهُ السيد رئيس الجمهورية في شكل تصورٍ شامل، كامل، ومتكامل، يُترجمُ أهميةَ ومكانةَ ودورَ الجالية الوطنية بالخارج:

تصورٌ يضع نُصْبَ أولوياتِه تقويةَ روحِ الانتماء، وتحصينَ جذورِ الارتباط، وتعزيزَ حِسِّ المواطنة لدى جاليتنا الوطنية بالخارج. 

وتصورٌ يؤكد على الدور الذي يضطلع به بنات وأبناء الجزائر في المهجر كجسور للتواصل والتفاهم، وكبناة أساسيين في نَسْجِ علاقات التعاون والشراكة بين الجزائر وبلدان إقامتهم. 

وتصورٌ يجعل من أبناء وبنات الجالية الوطنية بالخارج فاعلين هامين في جهود التنمية الوطنية بصفة خاصة وفي مسار التجديد الوطني الذي تشهده بلادنا بصفة عامة.    

ولا شك أنكم، السيدات والسادة رؤساء المراكز القنصلية، قد لَمِسْتُم في السنوات الأخيرة نتائجَ القرارات والتدابير التي اتخذها السيد رئيس الجمهورية لصالح الجالية الوطنية المقيمة بالخارج: 

قراراتٌ وتدابير تقطعُ الشك باليقين لتؤكد أن الجزائريات والجزائريين المقيمين بالمهجر هم جزءٌ لا يتجزأ من الشعب الجزائري، لهم ما له من حقوق وامتيازات، وعليهم ما عليه من واجبات ومسؤوليات. 

وقراراتٌ وتدابير تسلطُ الضوء على التزام الدولة الجزائرية بِالذَّوْدِ عن مصالح أبنائها أينما كانوا وحيثما وجدوا، لأن هذه المصالح هي كذلك جزءٌ لا يتجزأ من مصالح الدولة الجزائرية ككل. 

وقراراتٌ وتدابير كان لها الأثر البالغ في التكفل بانشغالات طالما أثقلت كاهل مواطنينا ومواطناتنا بالمهجر طيلة عقود متعاقبة من الزمن: 

سواء فيما يتعلق، أولاً، بالمسائل ذات الطابع الاجتماعي، على غرار التكفل بمصاريف عديد الخدمات، والتجند للدفاع عن حقوق المواطنين الجزائريين بالخارج، وتوسيع النظام الوطني للتقاعد ليشمل الرعايا الجزائريين بالمهجر، وكذا تخصيص حصص من السكنات لفائدتهم في إطار البرامج الوطنية للسكن. 

أو فيما يخص، ثانياً، المسائل ذات الطابع الاقتصادي، والتي يَتِمُّ عَبْرَهَا تحفيزُ جاليتِنا بالخارج للمساهمة في مسار تنمية الاقتصاد الوطني، لا سيما عبر تمكين شبابنا بالمهجر من الاستفادة من الآليات الوطنية المخصصة لإحداث مؤسسات مصغرة أو ناشئة. 

أو فيما يتعلق، ثالثاً وأخيراً، بتعزيز الخدمات القنصلية وتسهيل وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتحسين ظروف استقبال أبناء وبنات الجزائر لاسيما خلال موسم الاصطياف، وكذا تشجيع كل المبادرات الرامية إلى هيكلة وتنظيم صفوف جاليتنا ضمن جمعيات مُؤَطِّرَةَ وَمُؤَثِّرَة.

والأكيد أن قائمة القرارات والتدابير هذه لا تكتمل دون التذكير بالإجراء الهام للتسوية الذي أقره مؤخراً السيد رئيس الجمهورية لفائدة الشباب الجزائري المتواجد بالمهجر في وضعيات هشة أو غير قانونية. 

وأود أن أشدد هنا بصفة خاصة على المسؤولية التي تقع على عاتقكم، السيدات والسادة رؤساء المراكز القنصلية، في السهر على ضمان التجسيد الأمثل لهذا الإجراء، وذلك عبر مرافقة المواطنين والمواطنات المعنيين خلال كافة المراحل الضرورية لتسوية وضعياتهم بصفة نهائية.  

ولا يسعني من هذا المنظور إلا أن أشيد بنتائج ومخرجات هذه الندوة، والتي سلطت الضوء على جملة من المحاور التي تندرج كلها في صلب اهتمامات وانشغالات جاليتنا الوطنية بالخارج. وبالتالي، فإنني أدعوكم إلى العمل على متابعة تجسيد هذه النتائج وهذه المخرجات على النحو المطلوب، بكل جدية وبكل مسؤولية وبكل التزام.  

ففيما يتعلق، أولاً، بتطوير أساليب التسيير القنصلي، أنتم مُطالبون بالحرص على مواصلة تبسيط الإجراءات الإدارية وضمان توحيدها وانسجامها بما يَتَّسِقُ مع التعديلات التي تم إقرارها على الإطار القانوني المنظم للوظيفة القنصلية. كما يتعين عليكم بصفة خاصة السهر على تطبيق النصوص التنظيمية السبعة عشر (17) التي تم اعتمادها في هذه الندوة والتي تخص كافة الإجراءات والوثائق القنصلية.

وفيما يخص، ثانياً، عصرنة الخدمات القنصلية، تقع على عاتقكم مسؤولية تحديث العمل القنصلي وتحسين مردوديته إزاء كافة مواطنينا بالخارج، وذلك بما يتماشى مع الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي. وأود أن أؤكد هنا أن عصرنة الجهاز القنصلي لم تعد مجرد خيار تقني، بل أضحت، ضرورةً قصوى واستحقاقًا حتمياً، لتمكين الدولة من الاستجابة الفعّالة لتطلعات جاليتها وحماية مصالحها بالخارج. 

فالمسؤولية، كل المسؤولية، تقع عليكم اليوم في تبني هذا الخيار الاستراتيجي، لما له من دور حاسم في تحسين جودة الخدمات، وترشيد النفقات مع تحسين مردودية الأداء القنصلي، وتخفيف الأعباء الإدارية، وكذا تعزيز صلة الدولة بجاليتها في الخارج. 

وفيما يتصل، ثالثاً، بتوفير الحماية القانونية والقنصلية لأفراد جاليتنا بالخارج، فإنكم مُطالبون بإيلاء العناية القصوى لهذه المسألة التي تُشكل جوهر العمل القنصلي وأسمى غاياته، لاسيما من خلال الدفاع عن مصالح مواطنينا وحفظ حقوقهم في وجه أي ظلم أو تعسف قد يتعرضون إليه ببلدان الإقامة. 

والأغلبية منكم، السيدات والسادة رؤساء المراكز القنصلية بالخارج، خَيْرُ شهود على الممارسات الحديثة والمحاولات المتكررة للانتقاص، أو حتى الطعن، في أولوية هذا المبدأ القار في العمل القنصلي، ألا وهو مبدأ الحماية القنصلية. وأود أن أتعهد أمامكم اليوم أن الحكومة الجزائرية ستبقى حريصة كل الحرص على الوفاء بكافة التزاماتها في هذا الشأن، وعدم التفريط فيها قَيْدَ أُنْمُلَة. كما أنها ستواصل العمل من أجل توفير وتعبئة كافة الشروط الضرورية لتأدية مسؤولية الحماية القنصلية هذه، كاملة غير منقوصة، تجاه مواطنينا ومواطناتنا المقيمين بالخارج. 

وفيما يخص، رابعاً، توطيد الروابط مع جاليتنا هذه، يتوجب عليكم دعم آليات التواصل مع مختلف الفئات العُمْرِية والقوى الحيّة في جالياتنا وخلق فضاءات ملائمة للتفاعل والتجاوب مع مختلف حاجياتها. كما يُنتظر منكم السعي لضمان التواصل الدائم مع أفراد جاليتنا، وتقديم الدعم والسند إن هي عبّرت عن إرادتها في تنظيم صفوفها وتأطيرها.  

أما فيما يتعلق، خامساً وأخيرا، بتسهيل انخراط الجالية الجزائرية في جهود التنمية الوطنية، فإنّ مراكزنا القنصلية مطالبة بمضاعفة جهودها من أجل رصد الكفاءات الوطنية وإحاطتها بمختلف التحولات الاقتصادية التي تشهدها بلادنا وما صاحب هذه التحولات من مساع حثيثة لإشراك أبناء وبنات جاليتنا في تعزيز هذه الحركية الوطنية الهادفة. 

وفي الختام، لا يسعني إلا أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى كل القائمين على تنظيم هذه الندوة ، وإلى كل من ساهم، بجهده وخبرته، في إثراء نقاشاتِها وبلورة توصياتِها.  

وبودي أن أؤكد هنا على الأهمية البالغة التي تكتسيها مثل هذه الندوات، وضرورة انعقادها بصفة دورية منتظمة، لتكون محطات تقييم وتقويم وتجديد لأداء جهازنا القنصلي. وأعتقد بكل أمانة وإخلاص أن الإضافة النوعية المنتظرة من مثل هذه الندوات تكمن في ثلاث جوانب رئيسية: 

أولاً، تقييم الأداء القنصلي وتقويم ما قد يطرأ عليه من نقائص أو عثرات. 

ثانياً، تكييف هذا الأداء القنصلي مع تطور أوضاع جاليتنا بالمهجر، وبالخصوص ظروف معيشتِها وإقامتها. 

ثالثاً، مواصلة المشوار الذي ينتظرنا نحو تطوير وعصرنة الأداء القنصلي بما يضمن الاستجابة لانشغالات وتطلعات جاليتنا بصفة أنجع، وأسرع، وأمثل. ولا شك أن تحدي التحديات، ورهان الرهانات، وأولوية الأولويات، يكمن اليوم في عصرنة الجهاز القنصلي لبلادنا. 

فالعصرنة هي الحل الأمثل للعديد من المشاكل التي تشتكي منها الجالية الوطنية بالخارج. 

والعصرنة هي السبيل الوحيد نحو تخفيف الضغوطات التي تعاني منها العديد من المراكز القنصلية الجزائرية بالخارج. 

والعصرنة هي الأداة الأساسية للارتقاء بنوعية الخدمات القنصلية وتعزيز الثقة بين الإدارة والجالية الوطنية بالخارج.

فليكن عنوان هذه الندوة الانطلاقة الفعلية على درب عصرنة الجهاز القنصلي للدولة. 

والمطلوب منا اليوم هو تعبئة جميع الطاقات والإمكانيات لكسب هذا الرهان، بما يضمن إرساء إدارة قنصلية أكثر نجاعة، وأكثر شفافية، وأكثر استجابة لتطلعات جاليتنا الوطنية. 

شكراً على كرم الإصغاء، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.