في قراءة تحليلية عميقة لمستقبل التحول الاقتصادي في الجزائر، قدم البروفيسور والخبير الاقتصادي تيغرسي الهواري لمحة شاملة لصحيفة Algeria Press Online – APO News حول أحد أضخم المشاريع الاستراتيجية التي تراهن عليها الدولة الجزائرية لإعادة تشكيل بنيتها الاقتصادية، معتبرًا أن قطب تندوف المنجمي-الطاقوي والخط المنجمي الشرقي للفوسفات يشكلان معا ما يمكن وصفه بـ«مشروع القرن» بامتياز.

وأوضح الخبير أن الجزائر انتقلت من منطق الاستغلال التقليدي للثروات الطبيعية إلى منطق بناء منظومات إنتاج متكاملة، قوامها التثمين المحلي، والربط اللوجستي، والتكامل الصناعي، في مسعى واضح لتقليص التبعية لعائدات المحروقات وبناء اقتصاد متنوع ومستدام.
وفي هذا السياق، تحتل ولاية تندوف موقع القلب في هذه الرؤية الجديدة، بفضل منجم غار جبيلات، أحد أكبر مكامن خام الحديد في العالم، باحتياطي يتجاوز 3.5 مليار طن، منها ما يقارب 1.7 مليار طن قابلة للاستغلال. وأشار البروفيسور تيغرسي إلى أن دخول المنجم مرحلة الاستغلال الفعلي منذ سنة 2022 بإنتاج أولي يتراوح بين 2 و3 ملايين طن سنويًا، يمهّد لمسار تصاعدي طموح يستهدف بلوغ 40 إلى 50 مليون طن سنويًا على المدى المتوسط، وهو ما يؤسس فعليًا لبعث صناعة وطنية حقيقية للحديد والصلب.

وشدد الخبير على أن الرهان الاستراتيجي الحقيقي لا يكمن في تصدير الخام، بل في توطين التحويل الصناعي من معالجة وصهر وتصنيع، بما يسمح بخلق قيمة مضافة عالية، وتقليص فاتورة الاستيراد، وتعزيز السيادة الصناعية للجزائر.
وأضاف أن نجاح هذا المشروع الضخم يرتكز بالدرجة الأولى على البنية التحتية، وفي مقدمتها مشروع السكة الحديدية بشار–تندوف–غار جبيلات، الذي سيحوّل الجنوب الغربي من هامش جغرافي إلى محور لوجستي وطني وإفريقي، مع دخول أجزاء منه حيز الخدمة ابتداءً من سنة 2025. كما اعتبر أن مشروع المحطة الشمسية بقدرة 200 ميغاواط بتندوف يمثل عنصرًا حاسمًا في خفض تكاليف الإنتاج وضمان الاستدامة الطاقوية، ويفتح آفاقًا مستقبلية لمشاريع الهيدروجين الأخضر والصناعات الطاقوية النظيفة.

وفي الجهة الشرقية من البلاد، يبرز الخط المنجمي الشرقي الرابط بين عنابة وبلاد الحدبة على مسافة 422 كيلومترًا، كعمود فقري لمشروع الفوسفات المدمج، حيث يضمن هذا الخط تقليصًا كبيرًا في تكاليف النقل، وانتظامًا في تدفق المواد الأولية نحو وحدات التحويل وميناء عنابة، ما يعزز تنافسية الفوسفات الجزائري في الأسواق الدولية.
ويرى البروفيسور تيغرسي الهواري أن التكامل بين الاستخراج، والتحويل، والتصدير في هذا المشروع ينسجم تمامًا مع الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى تنويع الصادرات خارج المحروقات، وبناء موقع متقدم للجزائر في سلاسل الإمداد المنجمية والصناعية.

ويجمع المشروعان، حسب الخبير، على أبعاد تنموية واستراتيجية مشتركة، أبرزها خلق آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، وتنشيط الاقتصاد المحلي والإقليمي، وتعزيز الربط الجغرافي والتكامل الاقتصادي، إلى جانب دعم الأمن الاقتصادي الوطني وتقليص الهشاشة المرتبطة بتقلبات أسواق الطاقة.

وختم البروفيسور تيغرسي الهواري تحليله بالتأكيد على أن قطب تندوف والخط المنجمي الشرقي لا يمثلان مجرد مشاريع بنية تحتية أو استغلال منجمي، بل تحولًا عميقًا في النموذج الاقتصادي الجزائري، يمكنه، في أفق 2030–2050، أن يضع البلاد على سكة اقتصاد أكثر تنوعًا، وسيادة، وانفتاحًا على عمقها الإفريقي.






