
الجيش الوطني الشعبي...قوة الردع ومحرك الثقة الاقتصادية
يؤكد تزايد الاهتمام العالمي بمفهوم "الأمن الاقتصادي" أن الاستثمار لم يعد يرتبط بالحوافز الجبائية أو سهولة الإجراءات الإدارية فحسب، بل أصبح الأمن والاستقرار في مقدمة المعايير التي يعتمد عليها المستثمرون عند اختيار وجهاتهم.وفي هذا السياق، يبرز الجيش الوطني الشعبي كأحد أهم ركائز الاستقرار في الجزائر، ليس فقط بصفته مؤسسة دستورية تتولى حماية السيادة الوطنية، وإنما أيضًا باعتباره عنصرا أساسيا في ترسيخ الثقة الاقتصادية وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار.
ويرى الخبير الاقتصادي والبروفيسور الهواري تيغرسي أن العلاقة بين الأمن والاقتصاد أصبحت اليوم علاقة عضوية لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، فالتنمية المستدامة لا يمكن أن تزدهر في بيئة يسودها عدم الاستقرار، كما أن رؤوس الأموال تبحث دائما عن الدول القادرة على حماية الاستثمارات وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة بالنسبة للجزائر، بالنظر إلى موقعها الجيوسياسي ومساحتها الشاسعة وحدودها الممتدة مع عدة دول تعرف أوضاعا أمنية معقدة. ورغم هذه التحديات الإقليمية، تمكنت الجزائر من الحفاظ على استقرارها ومواصلة تنفيذ مشاريع اقتصادية كبرى في مجالات الطاقة والمناجم والزراعة والصناعة والبنية التحتية، وهو ما يعكس فعالية المنظومة الأمنية والدور المحوري الذي يؤديه الجيش الوطني الشعبي في حماية الوطن ومقدراته.
ولا يقتصر دور المؤسسة العسكرية على تأمين الحدود، بل يمتد إلى توفير المناخ الذي يسمح للمؤسسات الاقتصادية بالعمل في ظروف مستقرة، ويمنح المستثمرين المحليين والأجانب الثقة اللازمة لضخ رؤوس أموالهم في مشاريع طويلة الأمد. فالموانئ والمطارات والطرق السريعة والسكك الحديدية والمنشآت الطاقوية والمنجمية تحتاج جميعها إلى بيئة آمنة تضمن استمرارية النشاط الاقتصادي وتحافظ على وتيرة التنمية.
ويشير البروفيسور الهواري تيغرسي إلى أن مفهوم "الأمن الاستثماري" أصبح من المؤشرات الأساسية التي تعتمدها المؤسسات المالية العالمية والمستثمرون الدوليون عند تقييم جاذبية أي اقتصاد، إذ لا تكفي الامتيازات الضريبية أو وفرة الموارد الطبيعية وحدها لاستقطاب الاستثمار، بل يتطلب الأمر وجود مؤسسات قوية قادرة على حماية السيادة الوطنية وتأمين المنشآت الحيوية وضمان احترام القانون.
وتؤكد التجارب الدولية أن الدول التي تنعم بالأمن والاستقرار تحقق مستويات أعلى من الاستثمار والنمو، لأن المستثمر يوازن دائما بين حجم العائد المتوقع ومستوى المخاطر. وكلما انخفضت المخاطر الأمنية، ارتفعت جاذبية الاقتصاد، وتحسنت بيئة الأعمال، وتراجعت تكاليف التمويل والتأمين، وهو ما يعزز القدرة التنافسية للدولة.
وفي ظل الرهانات الاقتصادية التي ترفعها الجزائر، لاسيما في قطاعات المناجم، والطاقات، والصناعة التحويلية، والزراعة، والاقتصاد الرقمي، فإن نجاح هذه المشاريع لا يعتمد على التمويل وحده، بل يرتبط أيضا بوجود منظومة أمنية قوية تضمن استمرارية الإنجاز وتحمي الاستثمارات من مختلف التهديدات.
ومن زاوية أخرى، لم يعد الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية يقتصر على توفير الأمن، بل امتد إلى المساهمة في تطوير الصناعات العسكرية الوطنية، التي أصبحت في العديد من الدول أحد المحركات المهمة للنمو الاقتصادي والتطور التكنولوجي.
ويؤكد الخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي أن الصناعات العسكرية الحديثة لم تعد مجرد نشاط دفاعي، وإنما أصبحت قطاعا صناعيا عالي القيمة المضافة، يساهم في نقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات، وتشجيع البحث العلمي، ورفع نسب الإدماج الصناعي، فضلا عن خلق فرص العمل وتعزيز القدرة الإنتاجية الوطنية.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت الصناعات العسكرية الجزائرية تطورًا ملحوظا من خلال توسيع قدرات الإنتاج في مجالات العربات العسكرية، والمركبات الخاصة، والذخيرة، والتجهيزات والأنظمة الميكانيكية والإلكترونية، إلى جانب توسيع الشراكات الصناعية الهادفة إلى نقل التكنولوجيا وتعزيز التصنيع المحلي، بما يتماشى مع رؤية الدولة لبناء قاعدة صناعية أكثر تنافسية.
ولا تنعكس آثار هذا التطور على القطاع الدفاعي فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني عبر تنشيط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير شبكات المناولة الصناعية، وتقليص فاتورة الاستيراد، وتحفيز الابتكار، بما يجعل الصناعات الدفاعية رافدا حقيقيا لتنويع الاقتصاد الوطني.
كما أن هذا المسار يبعث برسائل إيجابية إلى المستثمرين والشركاء الاقتصاديين، مفادها أن الجزائر لا تكتفي بحماية الاستثمارات، بل تعمل بالتوازي على بناء اقتصاد إنتاجي قائم على التكنولوجيا، والتصنيع، والمعرفة، وهو ما يعزز مكانتها كوجهة استثمارية واعدة.
وفي هذا الإطار، يبرز الجيش الوطني الشعبي باعتباره شريكا غير مباشر في التنمية الاقتصادية، من خلال مساهمته في ترسيخ الأمن والاستقرار، وتأمين المشاريع الاستراتيجية، وحماية البنية التحتية الحيوية، وهي عوامل أصبحت اليوم من أهم مقومات النمو الاقتصادي المستدام.
ومع اقتراب الرابع من أوت، الذي يخلد فيه الجزائريون ذكرى تأسيس الجيش الوطني الشعبي، تتجدد الإشادة بمؤسسة لم تقتصر رسالتها على حماية الحدود والدفاع عن السيادة الوطنية، بل أصبحت أيضا ركيزة أساسية في حماية الاقتصاد الوطني وتعزيز ثقة المستثمرين ومرافقة مسار التنمية.
وفي ظل التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التي يشهدها العالم، تبدو معادلة "الأمن من أجل التنمية" أكثر حضورا من أي وقت مضى، حيث يظل الجيش الوطني الشعبي أحد أهم الضمانات التي تستند إليها الجزائر لبناء اقتصاد متنوع، قوي، وقادر على استقطاب الاستثمار ومواجهة تحديات المستقبل.
APO NEWS 
