في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يدخل العالم مرحلة شديدة الحساسية قد تعيد رسم ملامح الاقتصاد الدولي بالكامل، حيث لم تعد الحروب تُقاس فقط بالخسائر البشرية، بل بكلفتها الاقتصادية التي تمتد لسنوات وتضرب استقرار الأسواق العالمية.
هذه المواجهة المحتملة تضع الاقتصاد العالمي أمام سيناريو “الركود التضخمي”، حيث تتزامن صدمة ارتفاع أسعار الطاقة مع موجة تضخم حادة وتباطؤ في النمو، ما ينذر بمرحلة اضطراب طويلة قد تدفع ثمنها الاقتصادات الكبرى والناشئة على حد سواء.
وفي قلب هذه المعادلة، تبرز منطقة الشرق الأوسط كبؤرة صدمة مزدوجة، تجمع بين المخاطر الأمنية وتعطل إمدادات الطاقة، خاصة مع أي تهديد محتمل لمضيق هرمز، ما قد يدفع بأسعار النفط والغاز إلى مستويات غير مسبوقة، ويزيد من حالة القلق في الأسواق العالمية.
أوروبا، التي لم تتعافى بعد من تداعيات أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، تبدو اليوم أكثر هشاشة، إذ أن أي ارتفاع جديد في أسعار الطاقة سيُضعف قدرتها الصناعية ويضغط على اقتصاداتها، في وقت تتزايد فيه التحديات الاجتماعية والاقتصادية.
أما إفريقيا، فتقف في موقع “الضحية الصامتة”، حيث سيؤدي ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة إلى تفاقم الأزمات المعيشية وزيادة الضغوط على الدول الهشة اقتصاديا.
في هذا السياق، تجد الجزائر نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين الفرص والمخاطر. فمن جهة، قد تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة لتعزيز مداخيلها وتقوية موقعها كممون استراتيجي لأوروبا، وهو ما يفتح آفاقا مالية مهمة على المدى القصير.
غير أن هذه المكاسب تبقى محفوفة بتحديات عميقة، أبرزها التضخم المستورد وارتفاع كلفة الواردات، خاصة الغذائية، إلى جانب خطر العودة إلى منطق الاقتصاد الريعي بدل استثمار الظرف في إصلاحات هيكلية مستدامة.
وفي هذا الإطار، يؤكد البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي أن “الرهان الحقيقي لا يكمن في الاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة، بل في كيفية توظيف هذه المرحلة لبناء اقتصاد متنوع قادر على الصمود أمام الصدمات الخارجية”.
ويضيف البروفيسور الهواري تيغرسي أن “الجزائر تمتلك فرصة نادرة، لكنها مؤقتة، وإذا لم تُستثمر في تعزيز السيادة الغذائية وتطوير الصناعة والبنية التحتية، فإنها قد تتحول إلى عبء بدل أن تكون رافعة للتنمية”.
وبين هذه التحديات، تبرز ضرورة تسريع الإصلاحات الاقتصادية، من خلال تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وتطوير القدرات اللوجستية، بما يسمح للجزائر بالتحول إلى محور إقليمي للتجارة والطاقة.
في المحصلة، لا تبدو هذه المواجهة مجرد حرب عسكرية محتملة، بل لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، حيث ستكون الدول القادرة على استثمار أزماتها هي الرابحة، بينما ستدفع الدول المعتمدة على الخارج الثمن الأكبر.
وفي هذا المشهد المضطرب، تبقى القاعدة واضحة:
من يكتفي بجني أرباح الأزمة…يخسر المستقبل،
ومن يستثمرها بذكاء…يصنع موقعه في عالم جديد يتشكل الآن.






