APO
آخر الأخبار
الرئيسية إقتصاد وطاقة تيغرسي: لا تمنعوا الاستيراد.. وجّهوه نحو المصانع...
تيغرسي: لا تمنعوا الاستيراد.. وجّهوه نحو المصانع
إقتصاد وطاقة

تيغرسي: لا تمنعوا الاستيراد.. وجّهوه نحو المصانع

APO NEWS 31 أوت 2026 - الساعة 11:32
الاستماع إلى هذا المقال
تحويل النص إلى صوت — عربي

لم يعد النقاش الاقتصادي في الجزائر مرتبطا بحجم الواردات فقط، ولا بكيفية تقليص فاتورتها، بل بات يطرح سؤالا أكثر عمقا: كيف يمكن تحويل الاستيراد من عبء على العملة الصعبة إلى أداة تخدم الاستثمار والإنتاج والتصدير؟

وفي هذا السياق، يرى البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي أن المرحلة المقبلة تستدعي مراجعة فلسفة تنظيم الواردات، بالانتقال من منطق الموافقات والرقابة الإدارية المسبقة إلى منظومة ذكية تربط كل عملية استيراد بأثرها الحقيقي على الاقتصاد الوطني.

وبحسب البروفيسور تيغرسي، فإن الجزائر لا تحتاج إلى فتح الاستيراد دون ضوابط، كما لا تحتاج إلى تحويل التنظيم إلى حاجز يعرقل المؤسسات المنتجة، وإنما إلى نظام وطني ذكي لتنظيم الواردات والإنتاج يقوم على الرقمنة وتحليل المخاطر وقياس النتائج.

الاستيراد ليس كله سواء

ويؤكد الخبير الاقتصادي أن إحدى الإشكاليات الأساسية تكمن في التعامل مع مختلف عمليات الاستيراد بالمنطق نفسه، رغم اختلاف آثارها الاقتصادية.

فاستيراد آلة أو خط إنتاج أو مواد أولية ضرورية لمصنع لا يمكن وضعه في الخانة نفسها مع استيراد سلعة استهلاكية نهائية يتوفر لها بديل محلي كافٍ.

فالآلة، وإن استهلكت العملة الصعبة عند اقتنائها، قد تتحول إلى مصنع ينتج لسنوات ويوفر مناصب شغل ويخلق قيمة مضافة ويخفض الواردات ويفتح أبواب التصدير.

ومن هنا، يعتبر الهواري تيغرسي أن السؤال الذي ينبغي أن يحكم السياسة الجديدة ليس: «كم ستستورد المؤسسة؟» وإنما: «ماذا ستفعل المؤسسة بما تستورده؟»

ثلاثة مسارات لتنظيم الواردات

ويقترح التصور الانتقال إلى نظام أكثر مرونة، يقوم على تصنيف عمليات الاستيراد بحسب أثرها ومستوى المخاطر المرتبط بها.

فالمسار الأول ينبغي أن يمنح الأولوية والسرعة لاستيراد الآلات وخطوط الإنتاج والتجهيزات وقطع الغيار والمواد الأولية غير المتوفرة محليا، إضافة إلى المدخلات المرتبطة بالمشاريع الاستثمارية وعقود الإنتاج والتصدير.

أما المسار الثاني، فيشمل المنتجات التي يوجد لها إنتاج محلي لكنه غير قادر على تغطية الطلب من حيث الكمية أو الجودة أو الآجال. وهنا يصبح القرار مرتبطاً بالبيانات وحقيقة السوق، بما يمنع الندرة والارتفاع غير المبرر للأسعار، دون الإضرار بالمنتج الوطني.

في المقابل، يخصص المسار الثالث للعمليات التي تحمل مؤشرات خطر، على غرار تضخيم الفواتير، والأسعار غير الطبيعية، والاستيراد غير المتناسب مع نشاط المؤسسة، أو استيراد منتجات نهائية تتوفر لها بدائل محلية كافية.

وبهذه المقاربة، لا تتخلى الدولة عن الرقابة، وإنما تنتقل من مراقبة الجميع بالطريقة نفسها إلى مراقبة الخطر حيث يوجد فعلا.

من «الدولة التاجر» إلى «الدولة الحكم»

ويربط البروفيسور الهواري تيغرسي إصلاح منظومة الاستيراد بسؤال أوسع يتعلق بمكانة الدولة داخل الاقتصاد.

فالدولة القوية، وفق هذا التصور، ليست بالضرورة الدولة التي تستورد وتخزن وتوزع وتبيع كلما ظهرت أزمة في السوق، وإنما الدولة القادرة على وضع القواعد، وضمان المنافسة، ومحاربة الاحتكار والمضاربة والغش، وحماية المستهلك والتدخل عندما تتطلب المصلحة الوطنية ذلك.

فالتحول المطلوب هو الانتقال تدريجياً من مفهوم «الدولة التاجر» إلى «الدولة الحكم»، دون أن يعني ذلك انسحابها من القطاعات الاستراتيجية المرتبطة بالسيادة والأمن الاقتصادي والطاقة والموارد الطبيعية والبنى التحتية الحيوية.

ويتحدث تيغرسي في هذا السياق عن مفهوم «الانسحاب الذكي»، أي أن تتدخل الدولة عند الضرورة لمعالجة الاختلالات، ثم تتراجع تدريجياً عندما يستعيد السوق توازنه، بدلاً من تحويل التدخل الاستثنائي إلى نشاط تجاري دائم.

رقمنة الاقتصاد لا رقمنة الإجراءات فقط

ويرى الخبير الاقتصادي أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرتبطاً ببناء منظومة رقمية متكاملة تجمع بيانات الجمارك والبنوك والضرائب والتجارة والاستثمار والإنتاج والتصدير.

فالمطلوب ليس استبدال الوثيقة الورقية بوثيقة إلكترونية، وإنما بناء عقل اقتصادي رقمي قادر على تحليل العمليات واكتشاف التناقضات وتحديد المخاطر وقياس أثر الاستيراد على الإنتاج.

ويمكن للمؤسسة التي تثبت التزامها واستعمال وارداتها في توسيع الإنتاج وخلق الوظائف وتقليص الاستيراد وزيادة الصادرات أن تستفيد، بحسب هذا التصور، من مسار أسرع ومستوى أعلى من الثقة.

أما المؤسسات التي تظهر لديها عمليات غير طبيعية أو لا ينعكس استيرادها على نشاط إنتاجي واضح، فتنتقل إلى رقابة أكثر صرامة.

وهكذا تتحول المنظومة من الرقابة على النية إلى الرقابة على النتيجة.

العجلات.. الأزمة التي يمكن تحويلها إلى صناعة

ويقدم تيغرسي ملف العجلات مثالا عمليا على ضرورة تغيير طريقة التفكير الاقتصادي، إذ لا ينبغي أن ينحصر السؤال في تحديد الجهة التي ستتولى الاستيراد أو كيفية توفير العجلات للسوق، وإنما في البحث عن كيفية بناء صناعة وطنية متكاملة للعجلات ومكوناتها.

ويمكن تحقيق ذلك عبر استقطاب المستثمرين المتخصصين، وتشجيع المناولة، ونقل التكنولوجيا، وتكوين اليد العاملة، وتطوير الصناعات المرتبطة بالمطاط، وصولا إلى تغطية السوق الوطنية والتوجه مستقبلاً نحو الأسواق الإفريقية.

وهنا يصبح دور الدولة توفير البيئة المناسبة من عقار وطاقة وبنية تحتية وتحفيزات وتكوين ودبلوماسية اقتصادية، بينما تتولى المؤسسات المؤهلة مهمة الاستثمار والإنتاج والتسويق والتصدير.

المعيار الحقيقي..كم مصنعا أنشأنا؟

في النهاية، يرى البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي أن نجاح السياسة الاقتصادية لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم الأموال التي جرى توفيرها عبر خفض الاستيراد، ولا بعدد المؤسسات التي دخلت السوق، وإنما بنتائج أكثر ارتباطاً بالاقتصاد الحقيقي:

كم مصنعا أنشأنا؟ كم وظيفة وفرنا؟ كم قيمة مضافة خلقنا؟ كم خفضنا من الواردات؟ وكم رفعنا من الصادرات؟

فالآلة المستوردة التي تتحول إلى مصنع ومنتجات ووظائف وصادرات ليست عبئاً على الاقتصاد، وإنما استثمار في قدرته الإنتاجية. أما الواردات التي تستهلك العملة الصعبة دون أن تخلق قيمة أو تحمل مؤشرات خطر، فهي التي تستوجب رقابة أكثر صرامة.

وعليه، فإن المعادلة الجديدة لا تقوم على منع الاستيراد أو تحريره بشكل مطلق، بل على تسهيل ما يصنع الإنتاج، وتنظيم ما يحفظ توازن السوق، وتشديد الرقابة على ما يستنزف الاقتصاد.

ويمكن اختصار رؤية تيغرسي في قاعدة اقتصادية واضحة: ليس المطلوب مراقبة كل ورقة، بل مراقبة كل قيمة.

فالدولة القوية ليست التي تبيع كل شيء، وإنما التي تضع قواعد عادلة تجعل المؤسسات تستثمر وتنتج وتنافس وتصدّر.

مشاركة :

مقالات ذات صلة