
الخبير تيغرسي يرسم ملامح الصناعة الجزائرية حتى 2040
أعاد التحول في تنظيم ملف الاستثمار في الجزائر، ووضع الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار تحت سلطة الوزير الأول، طرح سؤال يتجاوز مسألة توزيع الصلاحيات بين الهيئات الحكومية إلى قضية أكثر استراتيجية: أي صناعة تريد الجزائر بناءها خلال العقدين المقبلين؟
ويرى البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي أن المرحلة الجديدة يمكن أن تشكل فرصة لإعادة تعريف دور وزارة الصناعة، والانتقال بها من متابعة المصانع والمشاريع القائمة إلى مؤسسة تقود التخطيط الصناعي وترسم ملامح الاقتصاد الإنتاجي الذي تحتاج إليه الجزائر في أفق 2040.
فبحسب تيغرسي، لا ينبغي النظر إلى إعادة تنظيم ملف الاستثمار باعتبارها تقليصا لدور وزارة الصناعة، بل فرصة لتحريرها من جزء من أعباء المتابعة اليومية، ومنحها مساحة أكبر للتركيز على وظيفة أكثر أهمية: هندسة الصناعة الجزائرية للمستقبل.
فالاستثمار، في حد ذاته، ليس غاية اقتصادية. ويمكن تسجيل آلاف المشاريع دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى بناء قاعدة صناعية قوية، إذا لم تكن تلك الاستثمارات مرتبطة بالقيمة المضافة والإدماج المحلي ونقل التكنولوجيا والمناولة والتصدير.
ومن هذا المنطلق، يؤكد البروفيسور الهواري تيغرسي أن الجزائر تحتاج إلى خريطة صناعية وطنية دقيقة، لا تكتفي بتحديد مواقع المصانع والمناطق الصناعية، بل ترصد ما تنتجه البلاد، وما تستورده، وما تملكه من مواد أولية وطاقات إنتاجية، وما ينقصها من منتجات ومكونات ومهارات.
هذه الخريطة من شأنها أن تنقل السياسة الاقتصادية من منطق انتظار المستثمر إلى منطق توجيه الاستثمار نحو القطاعات والحلقات التي يحتاج إليها الاقتصاد الوطني.
من المصنع إلى سلسلة القيمة
التحدي الآخر يتمثل في الانتقال من مفهوم المصنع المنفرد إلى بناء سلاسل قيمة متكاملة.
فصناعة السيارات، على سبيل المثال، لا يمكن اختزالها في مصنع للتركيب، وإنما تحتاج إلى شبكة من المؤسسات المتخصصة في قطع الغيار والمكونات والهندسة والصيانة والبرمجيات والخدمات اللوجستية.
وينطبق الأمر ذاته على الحديد والصلب، والصناعات الغذائية والدوائية والكيميائية والإلكترونية والبتروكيميائية، إضافة إلى الصناعات المرتبطة بالطاقات الجديدة.
وهنا يرى الخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي أن تطوير المناولة يجب أن يتحول إلى أولوية وطنية، لأن قوة الصناعة لا تقاس فقط بحجم المصانع الكبرى، بل بعدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تنمو حولها وتشارك في سلسلة الإنتاج.
وبذلك يمكن لكل مشروع صناعي كبير أن يتحول إلى قاطرة لعشرات أو مئات المؤسسات الجزائرية، بدلاً من بقائه جزيرة صناعية تعتمد على الخارج في معظم احتياجاتها.
من تقليص الاستيراد إلى صناعة التصدير
ويرى تيغرسي أن إحلال الواردات يظل هدفا ضروريا، لكنه لا ينبغي أن يمثل سقف الطموح الصناعي للجزائر.
فالرهان الحقيقي هو الانتقال من إنتاج ما تستورده الجزائر إلى إنتاج ما تستطيع الجزائر تصديره.
وهنا تبرز أهمية السوق الإفريقية والفضاء المتوسطي والعربي، خاصة في ظل ما تتمتع به الجزائر من موقع جغرافي وموارد طاقوية ومنجمية وسوق داخلية واسعة.
وبالتالي، فإن السؤال أمام أي مصنع جديد يجب ألا يقتصر على حجم إنتاجه للسوق الوطنية، بل يجب أن يمتد إلى قدرته على المنافسة والوصول إلى أسواق مثل تونس وموريتانيا والسنغال وكوت ديفوار وأوروبا والشرق الأوسط.
الثروة تبدأ بعد المادة الخام
ويضع البروفيسور الهواري تيغرسي رفع القيمة المضافة للموارد الوطنية في قلب الصناعة المستقبلية.
فالنفط والغاز والمعادن والفوسفات والمنتجات الفلاحية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مواد أولية فقط، بل قواعد يمكن أن تنطلق منها صناعات تحويلية متكاملة.
وكلما ارتفع عدد مراحل التحويل التي تتم داخل الجزائر، ارتفعت معها القيمة المضافة، وتوسعت فرص العمل والمناولة ونقل المعرفة والتصدير.
فالهدف ليس فقط استخراج الثروة، وإنما الاحتفاظ بأكبر جزء ممكن من قيمتها داخل الاقتصاد الوطني.
التكنولوجيا والجامعة داخل المصنع
ولا يمكن، وفق رؤية تيغرسي، بناء صناعة 2040 بأدوات الأمس، في وقت يشهد فيه العالم توسعاً متسارعاً للذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة وإنترنت الأشياء والطباعة ثلاثية الأبعاد والرقمنة الصناعية.
لذلك ينبغي أن يصبح نقل التكنولوجيا وتطوير المهارات المحلية من المعايير الرئيسية لتقييم المشاريع، وليس الاكتفاء بحجم رأس المال أو عدد مناصب العمل المعلنة.
كما تبرز الحاجة إلى علاقة أكثر عمقاً بين المصنع والجامعة ومراكز البحث والتكوين المهني، من خلال إعداد الكفاءات التي ستحتاج إليها الصناعات الجديدة خلال السنوات المقبلة.
فمصنع 2030 و2040 لن يحتاج بالضرورة إلى المهارات نفسها التي احتاج إليها مصنع 2010.
وزارة الصناعة.. العقل الاستراتيجي
وفي التصور الذي يطرحه الخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي، لا يوجد تنافس بين وزارة الصناعة والوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، بل تكامل في الوظائف.
فالوكالة تتولى استقطاب المستثمر ومرافقته وتسهيل مساره، بينما تتولى الوزارة تحديد القطاعات الاستراتيجية وسلاسل القيمة ونسب الإدماج المستهدفة والتكنولوجيات المطلوبة والأسواق التي ينبغي الوصول إليها.
وبعبارة مختصرة: الوكالة تبحث عن المستثمر، ووزارة الصناعة تحدد الصناعة التي تحتاج إليها الجزائر.
ويمكن أن تتجسد هذه الرؤية ضمن استراتيجية وطنية تمتد إلى 2040، تبدأ حتى 2030 ببناء القاعدة الصناعية وإعداد الخرائط وتطوير المناولة، ثم تنتقل بين 2030 و2035 إلى تعميق الإدماج والقيمة المضافة ونقل التكنولوجيا، وصولا بين 2035 و2040 إلى بناء صناعة تصديرية أكثر قدرة على المنافسة إقليميا ودوليا.
وفي هذا السياق، يقترح تيغرسي أن يتغير معيار تقييم المشاريع الصناعية. فبدلا من السؤال التقليدي: كم سيستثمر المشروع؟، ينبغي طرح أسئلة أخرى: ماذا سينتج؟ ما القيمة المضافة التي سيخلقها؟ ما نسبة المكونات المحلية؟ ما التكنولوجيا التي سينقلها؟ كم مؤسسة جزائرية ستدخل في سلسلة مناولته؟ وكم يستطيع أن يصدر؟
فالنجاح الصناعي لا يقاس بعدد المصانع وحده، وإنما بقدرتها على تغيير هيكل الاقتصاد وتحويل الموارد إلى منتجات، والمصانع إلى سلاسل قيمة، والمؤسسات الصغيرة إلى مناولين، والجامعات إلى مصادر للابتكار، والمنتج الجزائري إلى سلعة قادرة على المنافسة خارج الحدود.
ومن هنا، قد يمثل التنظيم الجديد لملف الاستثمار فرصة أمام وزارة الصناعة للانتقال من إدارة حاضر المصانع إلى صناعة مستقبل الاقتصاد.
فالجزائر، كما يخلص البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي، لا تحتاج فقط إلى المزيد من المصانع، بل إلى رؤية تحدد أي مصانع تريد، وأي صناعات تحتاج، وأي تكنولوجيا تستقطب، وأي أسواق تستهدف.
وهنا يبدأ الرهان الحقيقي: صناعة جزائر 2040 من اليوم.
APO NEWS 
