
الحجار أمام ساعة الحسم..هل يعود عملاقا للصناعة الجزائرية؟
يرى الخبير الاقتصادي والبروفيسور الهواري تيغرسي أن مركب الحجار للحديد والصلب بعنابة يقف اليوم أمام منعطف قد يكون من أهم المنعطفات في تاريخه، معتبرا أن الرهان لم يعد يقتصر على إعادة تشغيل الوحدات أو تأهيل التجهيزات، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة بناء موقع هذه القلعة الصناعية داخل الاقتصاد الوطني.
وتأتي هذه القراءة عقب زيارة وزير الصناعة، يحيى بشير، إلى المركب ووقوفه ميدانيا على وضعية الوحدات الإنتاجية والتجهيزات وبرامج الصيانة والاستغلال، وهي زيارة يعتبرها تيغرسي أبعد من مجرد معاينة تقنية، بل اختبارا حقيقيا لمستقبل صناعة الحديد والصلب في الجزائر.
ويؤكد البروفيسور الهواري تيغرسي أن الحجار، رغم سنوات التراجع وتقادم جزء من تجهيزاته والاختلالات التي أثرت على أدائه، لا يزال يمتلك قاعدة صناعية وكفاءات بشرية وموقعا استراتيجيا وإمكانات إنتاجية تسمح بإعادة بعثه، شريطة التخلي عن منطق ترميم الماضي والانتقال إلى صناعة مركب جديد برؤية المستقبل.
من إعادة التأهيل إلى إعادة بناء النموذج
بحسب الخبير الاقتصادي، فإن الخطأ سيكون في اختزال مستقبل الحجار في إصلاح بعض المعدات أو ضخ أموال جديدة لإعادة تشغيل الوحدات، لأن الأزمة التي عاشها المركب لم تكن تقنية فقط، وإنما ارتبطت أيضا بعدم استقرار الرؤية الصناعية وتغير أنماط التسيير والشراكات وبرامج إعادة الهيكلة.
ويرى تيغرسي أن التقييم الشامل الذي دعا إليه وزير الصناعة ينبغي ألا يقتصر على جرد التجهيزات وحالتها التقنية، بل يجب أن يجيب عن أسئلة اقتصادية حاسمة: ماذا يستطيع الحجار أن ينتج؟ وبأي تكلفة وجودة؟ وما المنتجات الأكثر ربحية؟ وما الأسواق المستهدفة؟ وأين يمكن خلق أكبر قيمة مضافة؟
فالهدف، وفق البروفيسور تيغرسي، ليس معرفة الطاقة النظرية للمركب بقدر معرفة قدرته الحقيقية على التحول إلى مؤسسة صناعية تنافسية ومربحة.
غارا جبيلات والحجار..سلسلة واحدة
ويضع الخبير الاقتصادي مشروع غارا جبيلات في صميم أي استراتيجية مستقبلية للحجار، معتبرًا أن الجزائر تمتلك اليوم فرصة تاريخية لبناء سلسلة وطنية متكاملة تبدأ من استخراج خام الحديد، مرورا بالنقل عبر السكك الحديدية والتحويل الصناعي، وصولا إلى الموانئ والصناعات التحويلية والتصدير.
ويشدد تيغرسي على أن التحدي يكمن في تفادي تحول الجزائر إلى بلد يستخرج خام الحديد ويصدره، ثم يعود لاستيراد منتجات فولاذية مصنعة ذات قيمة مضافة مرتفعة.
فالرهان الحقيقي، حسبه، هو تحويل الخام إلى منتجات، والمنتجات إلى صناعات، والصناعات إلى صادرات، على أن يكون الحجار إحدى الحلقات الرئيسية في هذه المنظومة.
تجهيزات الدرفلة..التقييم قبل القرار
وبخصوص تجهيزات الدرفلة الصناعية المسترجعة التي عاينها وزير الصناعة، يعتبر البروفيسور الهواري تيغرسي أن إخضاعها لتقييم تقني معمق يمثل خطوة ضرورية، لكنه يدعو إلى ربط القرار التقني بالجدوى الاقتصادية.
فالمطلوب، وفق تحليله، هو تحديد تكلفة إعادة التأهيل، ومستوى الإنتاجية الممكن تحقيقه، وجودة المنتجات، وحجم الأسواق القادرة على استيعابها، قبل الفصل بين خيار التحديث أو الاستبدال.
ويختصر تيغرسي هذه الرؤية في قاعدة اقتصادية واضحة: الأصل الصناعي لا تكتسب قيمته من مجرد امتلاكه، وإنما من قدرته على الإنتاج وخلق القيمة.
الشريك الأجنبي..التكنولوجيا أولا
وفي ملف الشراكة الأجنبية، يدعو الخبير الاقتصادي إلى الاستفادة من التجارب السابقة التي مر بها الحجار، مؤكدًا أن الجزائر لا تحتاج مستقبلا إلى مجرد شريك يشارك في إدارة المركب، بل إلى شريك صناعي عالمي قادر على جلب التكنولوجيا والخبرة والهندسة الصناعية والتكوين والأسواق الخارجية.
ويرى تيغرسي أن أي اتفاق مستقبلي ينبغي أن يتضمن التزامات دقيقة وقابلة للقياس في مجال نقل التكنولوجيا، وتكوين المهندسين والتقنيين الجزائريين، وتطوير منتجات جديدة، وخفض تكاليف الإنتاج وفتح منافذ تصديرية.
وبذلك، تصبح الشراكة شراكة تكنولوجيا وإنتاج وأسواق، وليس مجرد عقد جديد لتسيير المصنع.
الحوكمة.. معركة الحجار الحقيقية
ويضع البروفيسور الهواري تيغرسي الحوكمة
في مقدمة شروط نجاح أي مخطط جديد، معتبرا أن أحدث المعدات لن تكون كافية إذا لم ترافقها إدارة مهنية قادرة على التحكم في الإنتاج والتكاليف والمخزون والصيانة والجودة والتسويق.
ويطالب في هذا السياق بإرساء نموذج تسيير يقوم على الاستقلالية في القرار وربط المسؤولية بالنتائج، مع اعتماد مؤشرات أداء واضحة تشمل تكلفة إنتاج الطن، ونسب الأعطال والهدر، والإنتاجية، وهوامش الربح، ونسبة الإدماج، وحجم الصادرات والقيمة المضافة.
فالغاية، حسب تيغرسي، هي أن يتحول الحجار إلى مؤسسة اقتصادية تصنع الثروة بدل مؤسسة تنتظر الدعم للحفاظ على نشاطها.
من مصنع للحديد إلى قاطرة للصناعة
ولا يرى الخبير الاقتصادي مستقبل الحجار في إنتاج الحديد التقليدي فقط، بل في جعله قاعدة تخدم مختلف القطاعات الصناعية الجزائرية، بداية من صناعة السيارات والسكك الحديدية والأنابيب والصناعات الميكانيكية والهياكل المعدنية، وصولًا إلى المنشآت الطاقوية والموانئ وصناعة السفن.
وفي مرحلة لاحقة، ينبغي للمركب، وفق تيغرسي، التوجه نحو المنتجات الفولاذية ذات القيمة المضافة المرتفعة والقادرة على المنافسة في الأسواق الدولية.
وفي المقابل، يحذر الخبير من تحويل حماية المنتج الوطني إلى حماية غير مشروطة، مشددا على أن الأفضلية التي يمكن أن تمنحها الدولة للمنتجات الجزائرية في المشاريع العمومية يجب أن ترتبط بالجودة والسعر واحترام المواصفات.
فالحجار، بحسبه، مطالب بـكسب السوق الوطنية بالكفاءة والتنافسية، وليس بالقرار الإداري وحده.
إفريقيا في حسابات الحجار الجديد
ويعتقد البروفيسور الهواري تيغرسي أن إعادة بعث الحجار يجب ألا تتوقف عند تلبية احتياجات السوق الجزائرية، بل ينبغي إدراج التصدير ضمن صميم استراتيجيته المستقبلية.
فالجزائر، بما تملكه من موقع جغرافي وموانئ وموارد منجمية وقرب من الأسواق الإفريقية، قادرة على تحويل الحجار، إلى جانب الأقطاب الصناعية الأخرى، إلى منصة لإنتاج وتصدير منتجات الحديد والصلب نحو القارة.
وهنا، تتحول صناعة الحديد من أداة لتقليص فاتورة الاستيراد إلى قطاع منتج للعملة الصعبة ومساهم في تنويع الصادرات الجزائرية.
خارطة طريق تتجاوز تغيير المسؤولين
ويرى تيغرسي أن الضمان الحقيقي لنجاح الحجار لا يكمن في الأموال وحدها ولا في الشريك الأجنبي، وإنما في بناء استراتيجية طويلة المدى لا تتغير بتغير المسؤولين.
ويقترح أن تقوم المرحلة الأولى بين 2026 و2028 على إعادة التأهيل ورفع الجاهزية ومعالجة الاختناقات وتحسين الصيانة والإنتاجية، قبل الانتقال بين 2028 و2030 إلى إدخال منتجات جديدة ذات قيمة مضافة وتعزيز الربط بالمناجم والصناعات الوطنية، ثم التوجه بعد 2030 نحو المنتجات المتقدمة والتصدير وبناء منظومة صناعية متكاملة حول المركب.
ويشدد البروفيسور على ضرورة أن تكون لكل مرحلة أهداف واضحة وتمويل محدد ومؤشرات أداء ومسؤوليات قابلة للتقييم والمحاسبة.
الحجار..إنقاذ مصنع أم إعادة بعث الصناعة؟
ويحذر الخبير الاقتصادي من تكرار أخطاء الماضي، معتبرًا أن ضخ الأموال دون إصلاح الحوكمة، أو الاستعانة بشريك أجنبي دون نقل فعلي للتكنولوجيا، أو تحديث المعدات دون خفض تكلفة الإنتاج، لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج المشكلات نفسها.
فالجزائر تمتلك اليوم، وفق تيغرسي، عناصر ربما لم تجتمع بهذه القوة من قبل: مناجم استراتيجية، ومشاريع كبرى للسكك الحديدية، وموانئ، وسوقا وطنية واسعة، وطلبا صناعيا متزايدا، فضلا عن كفاءات جزائرية راكمت خبرة طويلة في قطاع الحديد والصلب.
ومن هنا يطرح البروفيسور الهواري تيغرسي السؤال الذي يعتبره جوهر المعركة المقبلة: هل نريد فقط إنقاذ الحجار، أم نريد استخدام الحجار للمساهمة في إعادة بناء الصناعة الجزائرية؟
فالخيار الأول يعني ضمان استمرار المصنع، أما الثاني فيعني تحويله إلى منصة صناعية تخلق القيمة والتكنولوجيا ومناصب الشغل والصادرات، وتربط المناجم بالصناعة والأسواقو في الأخير يرى الخبير الاقتصادي إلى أن الجزائر ليست بحاجة إلى حجار يعيش على الدعم أو على أمجاد الماضي، بل إلى حجار جديد أكثر كفاءة وتنافسية، مرتبط بالمناجم والصناعات التحويلية والأسواق الخارجية.
فإذا كان الحجار بالأمس إحدى مفاخر الصناعة الجزائرية، فإن التحدي اليوم، وفق رؤية البروفيسور الهواري تيغرسي، ليس إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بل صناعة مستقبل جديد لهذه القلعة الصناعية ووضعها في قلب النهضة الصناعية الجزائرية المقبلة.
مقالات ذات صلة



APO NEWS