الجزائر تعزز درعها الوطني…قانون التعبئة العامة يؤسس لعقيدة صمود شاملة

الجزائر تعزز درعها الوطني…قانون التعبئة العامة يؤسس لعقيدة صمود شاملة
جاري تحويل الكتابة إلى نص ..

في ظل عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، لم يعد مفهوم الأمن الوطني مقتصراً على القدرات العسكرية فقط، بل أصبح يرتبط بقدرة الدولة على الصمود الشامل سياسيا واقتصاديا ومجتمعياً.

وفي هذا السياق، يمثل صدور قانون التعبئة العامة في الجزائر خطوة استراتيجية تعكس توجها جديدا نحو بناء منظومة وطنية متكاملة لمواجهة الأزمات الكبرى.

القانون رقم 25-06 الصادر في 19 جويلية 2025 لا يقتصر على تنظيم إجراءات التعبئة العسكرية، بل يضع إطارا وطنيا واسعا لتعبئة الموارد البشرية والاقتصادية والصناعية والخدمية، بما يضمن استمرارية الدولة ومؤسساتها في الظروف الاستثنائية. ويعكس هذا التوجه انتقال الجزائر من منطق الاستجابة الظرفية للأزمات إلى بناء منظومة صمود استراتيجية طويلة المدى.

ويعرّف القانون التعبئة العامة باعتبارها مجموعة من التدابير والإجراءات التي تسمح بانتقال الدولة من حالة السلم إلى حالة الحرب أو الطوارئ بكفاءة وفعالية، عبر تعبئة الموارد البشرية والوسائل المادية والقدرات الصناعية والقطاعات الاقتصادية والخدمية.

كما يؤكد على ضرورة التنسيق بين مختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات الوطنية، حيث تُكلف كل وزارة بإعداد مخططات خاصة بالتعبئة ضمن إطار مخطط وطني شامل تشرف عليه وزارة الدفاع الوطني.

ومن أبرز أبعاد هذا القانون إدماج الاقتصاد الوطني في منظومة الصمود الاستراتيجي، إذ ينص على تكييف النشاط الصناعي والإنتاجي بما يتلاءم مع متطلبات التعبئة العامة. وبهذا تصبح قطاعات حيوية مثل الطاقة، النقل واللوجستيك، الاتصالات، الصناعة، والزراعة جزءا أساسيا من منظومة الدفاع الوطني، في إدراك واضح بأن الحروب الحديثة لم تعد عسكرية فقط، بل تمتد إلى المجالات الاقتصادية والغذائية والتكنولوجية.


وفي هذا السياق، يرى البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي أن هذا القانون يمثل تحولاً مهما في التفكير الاستراتيجي للدولة، موضحا أن مفهوم الأمن في العصر الحديث لم يعد محصورا في الدفاع العسكري فقط، بل أصبح مرتبطا بقدرة الاقتصاد الوطني على الصمود والاستمرار في الإنتاج وتوفير الموارد الأساسية خلال الأزمات. ويؤكد أن إدماج القطاعات الاقتصادية ضمن منظومة التعبئة يعزز استقلالية القرار الوطني ويمنح الدولة قدرة أكبر على مواجهة الاضطرابات الدولية.

كما يمنح القانون دورا مهما للمجتمع المدني والمواطنين في دعم جهود التعبئة الوطنية، من خلال تعزيز الحس الوطني والمشاركة في دعم التضامن الاجتماعي والمساهمة في الجهود الوطنية خلال الأزمات. ويعكس ذلك تحول مفهوم الأمن الوطني من مسؤولية الدولة وحدها إلى مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.

ويأتي هذا التشريع في سياق دولي يتسم بتزايد المخاطر الاستراتيجية، من النزاعات الإقليمية إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وأزمات الطاقة والغذاء. وقد أظهرت التجارب الدولية الحديثة أن الدول التي تمتلك منظومات تنظيمية قوية للتعبئة الوطنية هي الأكثر قدرة على حماية استقرارها وصون سيادتها.

وبهذا المعنى، يشكل قانون التعبئة العامة في الجزائر أحد الركائز الأساسية لبناء منظومة وطنية للأمن الشامل، تقوم على تعزيز صمود الاقتصاد والطاقة والأمن الغذائي والمؤسسات والمجتمع.

وفي عالم تتسارع فيه الأزمات، يبدو أن الرهان الحقيقي لم يعد فقط في امتلاك القوة، بل في القدرة على التنظيم والاستعداد المسبق. ومن خلال هذا القانون، تؤكد الجزائر أن بناء دولة قادرة على الصمود أصبح ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار وحماية السيادة الوطنية.