
الجزائر شريك استراتيجي لأوروبا..فلماذا يبقى مواطنها خلف التأشيرة؟
في الوقت الذي تواصل فيه أوروبا وصف الجزائر بـ«الشريك الاستراتيجي»، وتراهن عليها كمورد موثوق للطاقة وفاعل محوري في استقرار منطقة جنوب المتوسط والساحل الإفريقي، تبرز مفارقة لافتة في العلاقات بين الجانبين: شراكة تتوسع في ملفات الغاز والطاقة والأمن والاستثمار، بينما يظل تنقل المواطن الجزائري نحو الفضاء الأوروبي محكومًا بتعقيدات التأشيرة والإجراءات القنصلية.
وهنا يطرح الخبير الاقتصادي البروفيسور الهواري تيغرسي تساؤلًا جوهريًا حول مدى انعكاس هذه المكانة الاستراتيجية على المواطن الجزائري، خاصة أن مفهوم الشراكة، في أبعاده الحديثة، لم يعد يقتصر على المبادلات التجارية وتدفقات الطاقة، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بحركة الأشخاص والكفاءات ورؤوس الأموال والمعرفة.
فالجزائر تحتل موقعًا متقدمًا في الحسابات الأوروبية، خصوصًا في ظل التحولات الجيوسياسية التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من تحديات مرتبطة بأمن الطاقة وتنويع مصادر الإمدادات. كما تلعب الجزائر دورًا مهمًا في استقرار محيطها الإقليمي، إلى جانب جهودها في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.
وبالتوازي مع ذلك، تتجه العلاقات الجزائرية الأوروبية نحو آفاق جديدة مرتبطة بالهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة والربط الكهربائي والاستثمارات المستقبلية، ما يجعل الجزائر، حسب البروفيسور الهواري تيغرسي، أكثر من مجرد سوق أو مورد للطاقة، بل شريكًا يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في الأمن الاقتصادي والطاقوي والجيوسياسي لأوروبا.
غير أن هذه المكانة لم تنعكس، حتى الآن، بالشكل المطلوب على ملف تنقل الأشخاص، وهو ما يطرح مفارقة تحتاج إلى معالجة جدية ضمن مستقبل العلاقات بين الجزائر والاتحاد الأوروبي. فمن الصعب بناء شراكة اقتصادية واستثمارية متقدمة في ظل استمرار عراقيل التنقل التي تواجه رجال الأعمال والباحثين والطلبة والمستثمرين والخبراء والكفاءات.
ولا يعني ذلك بالضرورة المطالبة بإلغاء فوري وشامل لتأشيرة «شنغن»، بالنظر إلى أن سياسات التأشيرات الأوروبية تخضع لجملة من المعايير الأمنية والقانونية والهجرية، غير أن العلاقات الاستراتيجية، وفق رؤية البروفيسور الهواري تيغرسي، ينبغي أن تقوم على مبدأ توازن المصالح، بحيث يشعر الطرفان بأن ثمار الشراكة موزعة بصورة عادلة ومتبادلة.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة للانتقال من مفهوم «شراكة الموارد» إلى مفهوم أوسع يمكن وصفه بـ«شراكة الثقة». فإذا كانت أوروبا تراهن على الجزائر في تأمين جزء من احتياجاتها الطاقوية وتنويع مصادر إمداداتها، إلى جانب التعاون في مشاريع الطاقة النظيفة والاستقرار الإقليمي، فإن تطوير آليات أكثر مرونة لتنقل الفئات الفاعلة اقتصاديًا وعلميًا يمكن أن يشكل خطوة عملية لتعزيز هذه الشراكة.
ويمكن أن تشمل هذه المقاربة تسهيل إجراءات الحصول على التأشيرات، وتوسيع منح التأشيرات متعددة الدخول وطويلة المدة، وتسريع معالجة ملفات رجال الأعمال والمستثمرين والباحثين والطلبة والخبراء، بما يخدم المصالح الاقتصادية والعلمية للطرفين.
فلا يمكن للاستثمارات أن تتطور بالسرعة المطلوبة إذا كانت حركة المستثمرين والخبراء معقدة، كما أن نقل التكنولوجيا وبناء الشراكات الجامعية والبحثية يتطلبان انسيابية أكبر في تنقل الكفاءات. ومن هنا، فإن تسهيل الحركة لا ينبغي النظر إليه باعتباره تنازلًا من طرف لآخر، بل استثمارًا مباشرًا في مستقبل العلاقات الجزائرية الأوروبية.
ويرى البروفيسور الهواري تيغرسي أن الجزائر تمتلك اليوم أوراقًا تفاوضية مهمة يمكن توظيفها في بناء علاقة أكثر توازنًا مع الاتحاد الأوروبي، بالنظر إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وإمكاناتها الطاقوية، وتوجهها نحو تطوير الطاقات النظيفة، فضلًا عن موقعها كبوابة مهمة نحو العمق الإفريقي والأسواق التي توفرها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
وعليه، فإن أي نقاش مستقبلي حول مراجعة أو تطوير الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي لا ينبغي أن ينحصر فقط في الرسوم الجمركية وحجم المبادلات والميزان التجاري والاستثمارات، بل يمكن أن يمتد ليشمل ملف تنقل الأشخاص باعتباره أحد المكونات الأساسية لأي شراكة اقتصادية متكاملة.
فالجزائر، وهي تسعى إلى الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، يمكنها أن تطرح رؤية تقوم على مبدأ المعاملة المتوازنة، بحيث تتوافق الأدوات العملية للعلاقة مع مستوى الخطاب السياسي الذي يصفها باستمرار بأنها شريك استراتيجي مهم لأوروبا.
وفي نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الشراكات بعدد الاتفاقيات والبيانات المشتركة، ولا بحجم صادرات الغاز أو المبادلات التجارية وحدها، وإنما أيضًا بقدرتها على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين والمتعاملين الاقتصاديين والطلبة والباحثين والكفاءات.
وبحسب البروفيسور الهواري تيغرسي، فإن مستقبل العلاقات الجزائرية الأوروبية يحتاج إلى هندسة أكثر توازنًا، تنتقل بالعلاقة من منطق المصالح القطاعية إلى شراكة شاملة تقوم على الثقة والمصالح المتبادلة. فالشراكة التي تسهّل انتقال الطاقة والاستثمارات ورؤوس الأموال، بينما يبقى انتقال الإنسان الحلقة الأكثر تعقيدًا، ستظل شراكة غير مكتملة إلى أن تصبح المكاسب أكثر توازنًا بين الجزائر والاتحاد الأوروبي.
APO NEWS 
