يعرض البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي قراءة تحليلية متفائلة لتقارير كل من البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية، حيث تبرز الجزائر، وفق هذه المعطيات، كاقتصاد يمتلك أسسًا صلبة ومؤشرات إيجابية تؤهله للانتقال من مرحلة التكيّف مع التحولات العالمية إلى مرحلة بناء نموذج اقتصادي أكثر تنوعا واستدامة.
وتشير التقديرات إلى تسجيل نمو اقتصادي يُقدّر بـ3.7% خلال سنة 2026، مع توقعات ببلوغه ما بين 3.9% و4% في أفق 2027، وهو أداء يتجاوز متوسط النمو في المنطقة، ويعكس، حسب تيغرسي، حيوية الاقتصاد الوطني وفعالية السياسات العمومية، إلى جانب صلابة الطلب الداخلي. ويرى الخبير أن هذه الأرقام لا يمكن اختزالها في بعدها الإحصائي، بل تمثل قاعدة حقيقية يمكن الانطلاق منها نحو تحقيق مستويات أعلى من النمو خلال السنوات المقبلة.
وفي جانب التوازنات المالية، تكشف المعطيات عن تحسن ملحوظ في الحساب الجاري وتقليص العجز، مدعوما باحتياطات صرف تغطي ما بين 15 و16 شهرا من الواردات، وهو ما يمنح الجزائر هامشا مريحا لاتخاذ قرارات إصلاحية مدروسة بعيدًا عن الضغوط المالية الحادة. ويؤكد تيغرسي أن هذا الاستقرار يعزز ثقة الفاعلين الاقتصاديين ويفتح المجال أمام سياسات أكثر جرأة ولكن محسوبة.
أما على صعيد الأسعار، فقد سجل معدل التضخم تراجعًا إلى حدود 2.8%، في مؤشر يعكس نجاح أدوات السياسة الاقتصادية في ضبط السوق والحفاظ على التوازنات الاجتماعية، خاصة في ظل سياق دولي يتسم باضطرابات تضخمية. ويُترجم هذا التراجع أيضًا في تحسن نسبي للقدرة الشرائية واستقرار في مستويات الأسعار مقارنة بالسنوات الماضية.
وفي قراءة ديناميكية للنشاط الاقتصادي، تظهر البيانات نموا في القطاع غير النفطي يقارب 4.8%، إلى جانب ارتفاع الاستثمارات بنسبة تقارب 13.9%، وتحسن ملحوظ في أداء قطاعات الخدمات والفلاحة. ويعتبر تيغرسي أن هذه المؤشرات تؤكد بداية تحول تدريجي في بنية الاقتصاد الوطني، حيث لم يعد النمو مرتبطا فقط بقطاع المحروقات، بل بدأ ينبع من ديناميكيات داخلية واعدة.
ورغم استمرار هيمنة قطاع الطاقة، الذي يمثل أكثر من 90% من الصادرات وحوالي 40% من الناتج المحلي، إلا أن التقارير الدولية تنظر إلى هذا الواقع كفرصة استراتيجية قابلة للاستثمار، وليس كعائق هيكلي. ويوضح الخبير الاقتصادي أن التحدي الحقيقي يكمن في توجيه عائدات المحروقات نحو الاستثمار المنتج، وتطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بالطاقة، بما يسمح ببناء سلاسل قيمة قادرة على خلق ثروة مستدامة.
وفي هذا السياق، يبرز عنصر أساسي يميز الوضع الاقتصادي الجزائري، يتمثل في توفر الاستقرار والموارد والوقت، وهي عوامل نادرة تتيح تنفيذ إصلاحات تدريجية وهادئة دون اللجوء إلى إجراءات صادمة. ويشدد تيغرسي على أن الإصلاح في الحالة الجزائرية لم يعد استجابة لضغوط ظرفية، بل خيار استراتيجي يمكن توظيفه لتعزيز مناخ الاستثمار ودعم القطاع الخاص بشكل متوازن.
كما تلمح التقارير إلى مجموعة من المسارات الواعدة التي يمكن أن تشكل رافعة للنمو، من خلال تنويع الاقتصاد عبر تطوير الصناعة التحويلية والاقتصاد الرقمي والفلاحة الحديثة، إلى جانب دعم الاستثمار عبر تبسيط الإجراءات وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتعزيز الإنتاج المحلي بهدف تقليص الواردات ورفع الصادرات خارج قطاع المحروقات. ويرى الخبير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في سرعة التغيير، بل في ذكاء إدارة هذا التحول بما يضمن استدامته.
في المحصلة، تؤكد المعطيات الصادرة عن البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية، كما يبرز تحليل البروفيسور الهواري تيغرسي، أن الجزائر تمتلك كل المقومات لتكون ضمن الاقتصادات الصاعدة في إفريقيا، حيث لم تعد في موقع البحث عن حلول عاجلة، بل في موقع صناعة الخيارات الاستراتيجية. وتبقى القيمة الحقيقية لهذه المرحلة في كيفية استثمارها بذكاء، بما يحول الإصلاح من ضرورة ظرفية إلى فرصة تاريخية لبناء اقتصاد أكثر قوة وتنوعًا وسيادة.







